الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

106

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا معطوف على قوله : مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا والوقف على قوله : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا . وقوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هم سمّاعون للكذب . والظاهر أنّ الضّمير المقدّر عائد على الفريقين : المنافقين واليهود ، بقرينة الحديث عن الفريقين . وحذف المسند إليه في مثل هذا المقام حذف اتّبع فيه الاستعمال ، وذلك بعد أن يذكروا متحدّثا عنه أو بعد أن يصدر عن شيء أمر عجيب يأتون بأخبار عنه بجملة محذوف المبتدأ منها ، كقولهم للّذي يصيب بدون قصد « رمية من غير رام » ، وقول أبي الرقيش : سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه * وليس إلى داعي الندى بسريع وقول بعض شعراء الحماسة « 1 » : فتى غير محجوب الغنى عن صديقه * ولا مظهر الشكوى إذا النّعل زلّت عقب قوله : سأشكر عمرا إن تراخت منيّتي * أيادي لم تمنن وإن هي جلّت والسمّاع : الكثير السمع ، أي الاستماع لما يقال له . والسّمع مستعمل في حقيقته ، أي أنّهم يصغون إلى الكلام الكذب وهم يعرفونه كذبا ، أي أنّهم يحفلون بذلك ويتطلّبونه فيكثر سماعهم إيّاه . وفي هذا كناية عن تفشّي الكذب في جماعتهم بين سامع ومختلق ، لأنّ كثرة السمع تستلزم كثرة القول . والمراد بالكذب كذب أحبارهم الزاعمين أنّ حكم الزّنى في التّوراة التّحميم . وجملة سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ خبر ثان عن المبتدأ المحذوف . والمعنى أنّهم يقبلون ما يأمرهم به قوم آخرون من كتم غرضهم عن النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم حتّى إن حكم بما يهوون اتّبعوه وإن حكم بما يخالف هواهم عصوه ، أي هم أتباع لقوم متستّرين هم القوم الآخرون ، وهم أهل خيبر وأهل فدك الّذين بعثوا بالمسألة ولم يأت أحد منهم النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم .

--> ( 1 ) قيل : هو عبد اللّه بن الزبير - بفتح الزاي وكسر الموحّدة - الأسدي - وقيل : إبراهيم الصولي ، وقيل : محمّد بن سعيد الكاتب .