الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
86
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الجمل الثلاث في الخبرية المراد بها الإنشاء ، وفي الفعلية والماضوية . وقرأ الجمهور : وَأُحِلَّ لَكُمْ بالبناء للفاعل ، والضمير المستتر عائد إلى اسم الجلالة من قوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ . وأسند التحليل إلى اللّه تعالى إظهارا للمنّة ، ولذلك خالف طريقة إسناد التحريم إلى المجهول في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ لأنّ التحريم مشقّة فليس المقام فيه مقام منّة . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر : وَأُحِلَّ - بضم الهمزة وكسر الحاء - على البناء للنائب على طريقة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ . والوراء هنا بمعنى غير ودون ، كقول النابغة : وليس وراء اللّه للمرء مذهب وهو مجاز ؛ لأنّ الوراء هو الجهة التي هي جهة ظهر ما يضاف إليه . والكلام تمثيل لحال المخاطبين بحال السائر يترك ما وراءه ويتجاوزه . والمعنى : أحلّ لكم ما عدا أولئكم المحرّمات ، وهذا أنزل قبل تحريم ما حرّمته السّنة نحو ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ) ، ونحو ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) . وقوله : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ يجوز أن يكون بدل اشتمال من ( ما ) باعتبار كون الموصول مفعولا ل ( أُحِلَّ ) ، والتقدير : أن تبتغوهنّ بأموالكم فإنّ النساء المباحات لا تحلّ إلّا بعد العقد وإعطاء المهور ، فالعقد هو مدلول ( تَبْتَغُوا ) ، وبذل المهر هو مدلول ( بِأَمْوالِكُمْ ) ، ورابط الجملة محذوف : تقديره أن تبتغوه ، والاشتمال هنا كالاشتمال في قول النابغة : مخافة عمرو أن تكون جياده * يقدن إلينا بين حاف وناعل ويجوز أن يجعل أَنْ تَبْتَغُوا معمولا للام التعليل محذوفة ، أي أحلّهن لتبتغوهنّ بأموالكم ، والمقصود هو عين ما قرّر في الوجه الأول . و مُحْصِنِينَ حال من فاعل ( تَبْتَغُوا ) أي محصنين أنفسكم من الزنى ، والمراد متزوّجين على الوجه المعروف . غَيْرَ مُسافِحِينَ حال ثانية ، والمسافح الزاني ، لأنّ الزنى