الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

87

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يسمّى السفاح ، مشتقّا من السفح ، وهو أن يهراق الماء دون حبس ، يقال : سفح الماء . وذلك أنّ الرجل والمرأة يبذل كلّ منهما للآخر ما رامه منه دون قيد ولا رضى وليّ ، فكأنّهم اشتقّوه من معنى البذل بلا تقيّد بأمر معروف ؛ لأنّ المعطاء يطلق عليه السّفّاح . وكان الرجل إذا أراد من المرأة الفاحشة يقول لها : سافحيني ، فرجع معنى السفاح إلى التباذل وإطلاق العنان ، وقيل : لأنّه بلا عقد ، فكأنّه سفح سفحا ، أي صبّا لا يحجبه شيء ، وغير هذا في اشتقاقه لا يصحّ ، لأنّه لا يختصّ بالزنى . فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً . تفريع على أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ وهو تفريع لفظي لبيان حقّ المرأة في المهر وأنّه في مقابلة الاستمتاع تأكيدا لما سبقه من قوله تعالى : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [ النساء : 4 ] سواء عند الجمهور الذين يجعلون الصداق ركنا للنكاح ، أو عند أبي حنيفة الذي يجعله مجرّد حقّ للزوجة أن تطالب به ؛ ولذلك فالظاهر أن تجعل ( ما ) اسم شرط صادقا على الاستمتاع ، لبيان أنّه لا يجوز إخلاء النكاح عن المهر ، لأنّه الفارق بينه وبين السفاح ، ولذلك قرن الخبر بالفاء في قوله : فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً لأنّه اعتبر جوابا للشرط . والاستمتاع : الانتفاع ، والسين والتاء فيه للمبالغة ، وسمّى اللّه النكاح استمتاعا لأنّه منفعة دنيوية ، وجميع منافع الدنيا متاع ، قال تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ [ الرعد : 26 ] . والضمير المجرور بالباء عائد على ( ما ) . و ( من ) تبعيضية ، أي : فإن استمتعتم بشيء منهن فآتوهنّ ؛ فلا يجوز استمتاع بهنّ دون مهر . أو يكون ( ما ) صادقة على النساء ، والمجرور بالباء عائدا إلى الاستمتاع المأخوذ من استمتعتم و ( من ) بيانية ، أي فأي امرأة استمتعتم بها فآتوها . ويجوز أن تجعل ( ما ) موصولة ، ويكون دخول الفاء في خبرها لمعاملتها معاملة الشرط ، وجيء حينئذ ب ( ما ) ولم يعبر ب ( من ) لأنّ المراد جنس النساء لا القصد إلى امرأة واحدة ، على أنّ ( ما ) تجيء للعاقل كثيرا ولا عكس : و فَرِيضَةً حال من أُجُورَهُنَّ أي مفروضة ، أي مقدرة بينكم . والمقصد من ذلك قطع الخصومات في أعظم معاملة يقصد منها الوثاق وحسن السمعة .