الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
72
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمقصود من هذا : الإرشاد إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء ، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة . ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم ، حتّى يسبره بمسبار الرأي ، فيتحقّق سلامة حسن الظاهر من سوء خفايا الباطن . واقتصر هنا على مقاربة حصول الكراهية لشيء فيه خير كثير ، دون مقابلة ، كما في آية البقرة [ 216 ] وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ لأنّ المقام في سورة البقرة مقام بيان الحقيقة بطرفيها إذ المخاطبون فيها كرهوا القتال ، وأحبّوا السلم ، فكان حالهم مقتضيا بيان أنّ القتال قد يكون هو الخير لما يحصل بعده من أمن دائم ، وخضد شوكة العدوّ ، وأنّ السلم قد تكون شرّا لما يحصل معها من استخفاف الأعداء بهم ، وطمعهم فيهم ، وذهاب عزّهم المفضي إلى استعبادهم ، أمّا المقام في هذه السورة فهو لبيان حكم من حدث بينه وبين زوجه ما كرّهه فيها ، ورام فراقها ، وليس له مع ذلك ميل إلى غيرها ، فكان حاله مقتضيا بيان ما في كثير من المكروهات من الخيرات ، ولا يناسب أن يبيّن له أنّ في بعض الأمور المحبوبة شرورا لكونه فتحا لباب التعلّل لهم بما يأخذون من الطرف الذي يميل إليه هواهم . وأسند جعل الخير في المكروه هنا للّه بقوله : وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً المقتضى أنه جعل عارض لمكروه خاصّ ، وفي سورة البقرة [ 216 ] قال : وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ تلك بيان لما يقارن بعض الحقائق من الخفاء في ذات الحقيقة ، ليكون رجاء الخير من القتال مطّردا في جميع الأحوال غير حاصل بجعل عارض ، بخلاف هذه الآية ، فإنّ الصبر على الزوجة المؤذية أو المكروهة إذا كان لأجل امتثال أمر اللّه بحسن معاشرتها ، يكون جعل الخير في ذلك جزاء من اللّه على الامتثال . [ 20 ، 21 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 20 ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 21 ) لا جرم أنّ الكراهية تعقبها إرادة استبدال المكروه بضدّه ، فلذلك عطف الشرط على الذي قبله استطرادا واستيفاء للأحكام . فالمراد بالاستبدال طلاق المرأة السابقة وتزوّج امرأة أخرى . والاستبدال : التبديل . وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى : قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ في سورة البقرة [ 61 ] أي إن لم يكن سبب للفراق إلّا إرادة استبدال