الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
73
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
زوج بأخرى فيلجئ التي يريد فراقها ، حتّى تخالعه ، ليجد ما لا يعطيه مهرا للتي رغب فيها ، نهى عن أن يأخذوا شيئا ممّا أعطوه أزواجهم من مهر وغيره والقنطار هنا مبالغة في مقدار المال المعطى صداقا أي ما لا كثيرا ، كثرة غير متعارفة . وهذه المبالغة تدلّ على أنّ إيتاء القنطار مباح شرعا لأنّ اللّه لا يمثّل بما لا يرضى شرعه مثل الحرام ، ولذلك لمّا خطب عمر بن الخطاب فنهى عن المغالاة في الصدقات ، قالت له امرأة من قريش بعد أن نزل « يا أمير المؤمنين كتاب اللّه أحقّ أن يتبع أو قولك » قال : « بل كتاب اللّه ! بم ذلك ؟ » قالت : إنّك نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء ، واللّه يقول في كتابه وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [ النساء : 20 ] فقال عمر « كلّ أحد أفقه من عمر » . وفي رواية قال « امرأة أصابت وأمير أخطأ واللّه المستعان » ثم رجع إلى المنبر فقال : « إنّي كنت نهيتكم أن تغالوا في صدقات النساء فليفعل كلّ رجل في ماله ما شاء » . والظاهر من هذه الرواية أنّ عمر رجع عن تحجير المباح لأنّه رآه ينافي الإباحة بمقتضى دلالة الإشارة وقد كان بدا له من قبل أنّ في المغالاة علّة تقتضي المنع ، فيمكن أن يكون نسي الآية بناء على أنّ المجتهد لا يلزمه البحث عن المعارض لدليل اجتهاده ، أو أن يكون حملها على قصد المبالغة فرأى أنّ ذلك لا يدلّ على الإباحة ، ثم رجع عن ذلك أو أن يكون رأى لنفسه أن يحجّر بعض المباح للمصلحة ثمّ عدل عنه لأنّه ينافي إذن الشرع في فعله أو نحو ذلك . وضمير : إِحْداهُنَّ راجع إلى النساء . وهذه هي المرأة التي يراد طلاقها . وتقدّم الكلام على القنطار عند تفسير قوله تعالى : وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ في سورة آل عمران [ 14 ] . والاستفهام في أَ تَأْخُذُونَهُ إنكاري . والبهتان مصدر كالشّكران والغفران ، مصدر بهته كمنعه إذا قال عليه ما لم يفعل ، وتقدّم البهت عند قوله تعالى : فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ في سورة البقرة [ 258 ] . وانتصب بُهْتاناً على الحال من الفاعل في ( تَأْخُذُونَهُ ) بتأويله باسم الفاعل ، أي مباهتين . وإنّما جعل هذا الأخذ بهتانا لأنّهم كان من عادتهم إذا كرهوا المرأة وأرادوا طلاقها ، رموها بسوء المعاشرة ، واختلقوا عليها ما ليس فيها ، لكي تخشى سوء السمعة فتبذل للزوج ما لا فداء ليطلّقها ، حكى ذاك فخر الدين الرازي ، فصار أخذ المال من المرأة عند الطلاق مظنّة بأنّها أتت ما لا يرضي الزوج ، فقد يصدّ ذلك الراغبين في التزوّج عن خطبتها ، ولذلك لمّا أذن اللّه للأزواج بأخذ المال إذا أتت أزواجهم بفاحشة ، صار