الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
35
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والأماكن وقد أرشد إلى ذلك حديث أبي داود : أنّ رجلا أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إني فقير وليس لي شيء » قال : « كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل » . وفي « صحيح مسلم » عن عائشة : نزلت الآية في ولي اليتيم إذا كان محتاجا أن يأكل منه بقدر ماله بالمعروف ، ولذلك قال المالكية : يأخذ الوصي بقدر أجرة مثله ، وقال عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وأبو عبيدة ، وابن جبير ، والشعبي ، ومجاهد : إنّ اللّه أذن في القرض لا غير . قال عمر : « إني نزّلت نفسي من مال اللّه منزلة الوصيّ من مال اليتيم ، إن استغنيت استعففت وإن احتجت أكلت بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت » وقال عطاء ، وإبراهيم : لا قضاء على الوصيّ إن أيسر . وقال الحسن ، والشعبي ، وابن عباس ، في رواية : إنّ معناه أن يشرب اللبن ويأكل من الثمر ويهنأ الجربي من إبله ويلوط الحوض . وقيل : إنّما ذلك عند الاضطرار كأكل الميتة والخنزير : روي عن عكرمة ، وابن عباس ، والشعبي ، وهو أضعف الأقوال لأنّ اللّه ناط الحكم بالفقر لا بالاضطرار ، وناطه بمال اليتيم ، والاضطرار لا يختصّ بالتسليط على مال اليتيم بل على كلّ مال . وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يأخذ إلّا إذا سافر من أجل اليتيم يأخذ قوته في السفر . واختلف في وصيّ الحاكم هل هو مثل وصيّ الأب . فقال الجمهور : هما سواء ، وهو الحقّ ، وليس في الآية تخصيص . ثم اختلفوا في الوصيّ الغنيّ هل يأخذ أجر مثله على عمله بناء على الخلاف في أنّ الأمر في قوله : فَلْيَسْتَعْفِفْ للوجوب أو للندب ، فمن قال للوجوب قال : لا يأكل الغني شيئا ، وهذا قول كلّ من منعه الانتفاع بأكثر من السلف والشيء القليل ، وهم جمهور تقدّمت أسماءهم . وقيل : الأمر للندب فإذا أراد أن يأخذ أجر مثله جاز له إذا كان له عمل وخدمة ، أمّا إذا كان عمله مجرّد التفقّد لليتيم والإشراف عليه فلا أجر له . وهذا كله بناء على أنّ الآية محكمة . ومن العلماء من قال : هي منسوخة بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [ النساء : 10 ] الآية ، وقوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [ البقرة : 188 ] وإليه مال أبو يوسف ، وهو قول مجاهد ، وزيد بن أسلم . ومن العلماء من سلك بالآية مسلك التأويل فقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : المراد فمن كان غنيا أي من اليتامى ، ومن كان فقيرا كذلك ، وهي بيان لكيفية الإنفاق على اليتامى فالغنيّ يعطى كفايته ، والفقير يعطى بالمعروف ، وهو بعيد ، فإنّ فعل ( استعفف :