الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
36
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يدلّ على الاقتصاد والتعفّف عن المسألة . وقال النخعي ، وروي عن ابن عباس : من كان من الأوصياء غنيّا فليستعفف بماله ولا يتوسّع بمال محجوره ومن كان فقيرا فإنّه يقتّر على نفسه لئلا يمدّ يده إلى مال يتيمه . واستحسنه النحاس والكيا الطبري « 1 » في أحكام القرآن . فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً . تفريع عن قوله فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وهو أمر بالإشهاد عند الدفع ، ليظهر جليّا ما يسلمه الأوصياء لمحاجيرهم ، حتى يمكن الرجوع عليهم يوما ما بما يطّلع عليه ممّا تخلّف عند الأوصياء ، وفيه براءة للأوصياء أيضا من دعاوي المحاجير من بعد . وحسبك بهذا التشريع قطعا للخصومات . والأمر هنا يحتمل الوجوب ويحتمل الندب ، وبكلّ قالت طائفة من العلماء لم يسمّ أصحابها : فإن لوحظ ما فيه من الاحتياط لحقّ الوصيّ كان الإشهاد مندوبا لأنّه حقّه فله أن لا يفعله ، وإن لوحظ ما فيه من تحقيق مقصد الشريعة من رفع التهارج وقع الخصومات ، كان الإشهاد واجبا نظير ما تقدّم في قوله تعالى : إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [ البقرة : 282 ] وللشريعة اهتمام بتوثيق الحقوق لأنّ ذلك أقوم لنظام المعاملات . وأياما كان فقد جعل اللّه الوصيّ غير مصدّق في الدفع إلّا ببينة عند مالك قال ابن الفرس : لولا أنّه يضمن إذا أنكره المحجور لم يكن للأمر بالتوثّق فائدة ، ونقل الفخر عن الشافعي موافقة قول مالك ، إلّا أنّ الفخر احتجّ بأنّ ظاهر الأمر للوجوب وهو احتجاج واه لأنّه لا أثر لكون الأمر للوجوب أو للندب في ترتّب حكم الضمان ، إذ الضمان من آثار خطاب الوضع ، وسببه هو انتفاء الإشهاد ، وأمّا الوجوب والندب فمن خطاب التكليف وأثرهما العقاب والثواب . وقال أبو حنيفة : هو مصدّق بيمينه لأنّه عدّه أمينا ، وقيل : لأنّه رأى الأمر للندب . وقد علمت أنّ محمل الأمر بالإشهاد لا يؤثّر في حكم الضمان . وجاء بقوله : وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً تذييلا لهذه الأحكام كلها ، لأنّها وصيّات وتحريضات فوكل
--> ( 1 ) هو علي بن علي الطّبري - نسبة إلى طبرستان كورة قرب الري - الملقب الكيا الطبري ويقال الكيا الهرّاسي - والكيا بهمزة مكسورة في أوله فكاف مكسورة ، معناه الكبير بلغة الفرس . والهراسي بفتح الهاء وتشديد الراء نسبة إلى الهريسة إمّا إلى بيعها أو صنعها . الشافعي ولد سنة 450 وتوفّي في بغداد سنة 504 .