الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
301
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قبيل الاستدلال بأخلاق الأمم والقبائل على أحوال العشائر منهم ، وقد تقدّم بيان كثير منه في سورة البقرة . وفي هذا الكلام تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم ودلالة على جراءتهم ، وإظهار أنّ الرسل لا تجيء بإجابة مقترحات الأمم في طلب المعجزات بل تأتي المعجزات بإرادة اللّه تعالى عند تحدّي الأنبياء ، ولو أجاب اللّه المقترحين إلى ما يقترحون من المعجزات لجعل رسله بمنزلة المشعوذين وأصحاب الخنقطرات والسيمياء ، إذ يتلقّون مقترحات الناس في المحافل والمجامع العامّة والخاصّة ، وهذا ممّا يحطّ من مقدار الرسالة . وفي إنجيل متّى : أنّ قوما قالوا للمسيح : نريد أن نرى منك آية فقال : « جيل شرّير يطلب آية ولا تعطى له آية » . وتكرّر ذلك في واقعة أخرى . وقد يقبل ذلك من المؤمنين ، كما حكى اللّه عن عيسى : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ - إلى قوله - قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 112 ، 115 ] ، وقال تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [ الإسراء : 59 ] . وهم لمّا سألوا موسى أن يريهم اللّه جهرة ما أرادوا التيمّن باللّه ، ولا التنعّم بالمشاهدة ، ولكنّهم أرادوا عجبا ينظرونه ، فلذلك قالوا : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ، ولم يقولوا : ليتنا نرى ربّنا . و جَهْرَةً ضدّ خفية ، أي علنا ، فيجوز أن يكون صفة للرؤية المستفادة من ( أرنا ) ، ويجوز أن يكون حالا من المرفوع في ( أرنا ) : أي حال كونك مجاهرا لنا في رؤيته غير مخف رؤيته . واستطرد هنا ما لحقهم من جرّاء سؤالهم هذه الرؤية وما ترتّب عليه فقال : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ، وهو ما حكاه تعالى في سورة البقرة [ 55 ] بقوله : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . وكان ذلك إرهابا لهم وزجرا ، ولذلك قال : بِظُلْمِهِمْ . والظلم هو المحكي في سورة البقرة من امتناعهم من تصديق موسى إلى أن يروا اللّه جهرة ، وليس الظلم لمجرّد طلب الرؤية ؛ لأنّ موسى قد سأل مثل سؤالهم مرّة أخرى : حكاه اللّه عنه بقوله : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ الآية