الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
302
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في سورة الأعراف [ 143 ] . وبيّن أنّهم لم يردعهم ذلك فاتّخذوا العجل إلها من بعد ما جاءتهم البيّنات الدالّة على وحدانية اللّه ونفي الشريك وعطفت جملة اتّخاذهم العجل بحرف ( ثمّ ) المفيد في عطفه الجمل معنى التراخي الرتبى . فإنّ اتّخاذهم العجل إلها أعظم جرما ممّا حكي قبله ، ومع ذلك عفا اللّه عنهم وآتى موسى سلطانا مبينا ، أي حجّة واضحة عليهم في تمرّدهم ، فصار يزجرهم ويؤنّبهم . ومن سلطانه المبين أن أحرق لهم العجل الذي اتّخذوه إلها . ثم ذكر آيات أخرى أظهرها اللّه لهم وهي : رفع الطور ، والأمر بقتال أهل أريحا ، ودخولهم بابها سجّدا . والباب يحتمل أنّه باب مدينة أريحا ، ويحتمل أنّه باب الممرّ بين الجبال ونحوها ، كما سيأتي عند قوله تعالى : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ - إلى قوله - ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ في سورة العقود [ 23 ] ؛ وتحريم صيد البحر عليهم في السبت . وقد مضى الكلام عليها جميعا في سورة البقرة . وأخذ الميثاق عليهم : المراد به العهد ، ووصفه بالغليظ . أي القويّ ، والغلظ من صفات الأجسام ، فاستعير لقوّة المعنى وكنّى به عن توثّق العهد لأنّ الغلظ يستلزم القوّة ، والمراد جنس الميثاق الصادق بالعهود الكثيرة التي أخذت عليهم ، وقد ذكر أكثرها في آي سورة البقرة ، والمقصود من هذا إظهار تأصّلهم في اللجاج والعناد ، من عهد أنبيائهم ، تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم على ما لقي منهم ، وتمهيدا لقوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [ النساء : 155 ] . وقوله : لا تَعْدُوا قرأه نافع في أصحّ الروايات ، وهي لورش عنه ولقالون في إحدى روايتيه عنه - بفتح العين وتشديد الدال المضمومة - أصله : لا تعتدوا ، والاعتداء افتعال من العدو ، يقال : اعتدى على فلان ، أي تجاوز حدّ الحقّ معه ، فلمّا كانت التاء قريبة من مخرج الدال ووقعت متحرّكة وقبلها ساكن ، تهيّأ إدغامها ، فنقلت حركتها إلى العين الساكنة قبلها ، وأدغمت في الدال إدغاما لقصد التخفيف ، ولذلك جاز في كلام العرب إظهارها ؛ فقالوا : تعتدوا وتعدّوا ، لأنّها وقعت قبل الدال ، فكانت غير مجذوبة إلى مخرجه ، ولو وقعت بعد الدال لوجب إدغامها في نحو أدّان . وقرأ الجمهور ، وقالون في إحدى روايتين عنه : « لا تعدوا » - بسكون العين وتخفيف الدال - مضارع مجزوم من العدو ، وهو العدوان ، كقوله : إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ في سورة الأعراف [ 163 ] ؛ وفي إحدى روايتين عن قالون : - باختلاس الفتحة - ، وقرأه أبو جعفر : - بسكون العين وتشديد الدال - ، وهي رواية عن نافع أيضا ، رواها ابن مجاهد . قال أبو علي ، في « الحجّة » : وكثير من