الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

265

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تبشير السائل المتحيّر بأنّه قد وجد طلبته ، وذلك مثل قولهم : على الخبير سقطت . وقوله تعالى : سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [ الكهف : 78 ] . وتقديم اسم الجلالة للتنويه بشأن هذه الفتيا . وقوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ عطف على اسم الجلالة ، أي ويفتيكم فيهنّ ما يتلى عليكم في الكتاب ، أي القرآن ، وإسناد الإفتاء إلى ما يتلى إسناد مجازي ، لأنّ ما يتلى دالّ على إفتاء اللّه فهو سبب فيه ، فآل المعنى إلى : قل اللّه يفتيكم فيهنّ بما يتلى عليكم في الكتاب ، والمراد بذلك بما تلي عليهم من أوّل السورة ، وما سيتلى بعد ذلك ، فإنّ التذكير به وتكريره إفتاء به مرّة ثانية ، وما أتبع به من الأحكام إفتاء أيضا . وقد ألّمت الآية بخلاصة ما تقدّم من قوله : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ إلى قوله : وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً [ النساء : 2 - 6 ] . وكذلك أشارت هذه الآية إلى فقر ممّا تقدّم : بقوله هنا : فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ فأشار إلى قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا إلى قوله : فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ النساء : 3 ، 4 ] . ولحذف حرف الجرّ بعد تَرْغَبُونَ - هنا - موقع عظيم من الإيجاز وإكثار المعنى ، أي ترغبون عن نكاح بعضهنّ ، وفي نكاح بعض آخر ، فإنّ فعل رغب يتعدّى بحرف ( عن ) للشيء الذي لا يحبّ ؛ وبحرف ( في ) للشيء المحبوب . فإذا حذف حرف الجرّ احتمل المعنيين إن لم يكن بينهما تناف ، وذلك قد شمله قوله في الآية المتقدّمة وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا [ النساء : 3 ] إلخ . وأشار بقوله هنا وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ إلى قوله هنالك وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ - إلى - كَبِيراً [ النساء : 2 ] وإلى قوله : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ إلى قوله : مَعْرُوفاً [ النساء : 5 ] . وأشار بقوله : وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ إلى قوله هنالك وَابْتَلُوا الْيَتامى - إلى - حَسِيباً [ النساء : 6 ] . ولا شكّ أنّ ما يتلى في الكتاب هو من إفتاء اللّه ، إلّا أنّه لمّا تقدّم على وقت الاستفتاء كان مغايرا للمقصود من قوله : اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ، فلذلك صحّ عطفه عليه عطف السبب على المسبّب . والإفتاء الأنف هو من قوله : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً - إلى - واسِعاً حَكِيماً [ النساء : 128 - 130 ] . و ( في ) من قوله : فِي يَتامَى النِّساءِ للظرفية المجازية ، أي في شأنهن ، أو للتعليل ، أي لأجلهنّ ، ومعنى كُتِبَ لَهُنَّ فرض لهنّ إمّا من أموال من يرثنهم ، أو من المهور التي