الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
266
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تدفعونها لهنّ ، فلا توفوهنّ مهور أمثالهنّ ، والكلّ يعدّ مكتوبا لهنّ ، كما دلّ عليه حديث عائشة - رضي اللّه عنها - وعلى الوجهين يجيء التقدير في قوله : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ولك أن تجعل الاحتمالين في قوله : ما كُتِبَ لَهُنَّ وفي قوله : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ . مقصودين على حدّ استعمال المشترك في معنييه . وقوله : وَالْمُسْتَضْعَفِينَ عطف على يَتامَى النِّساءِ ، وهو تكميل وإدماج ، لأنّ الاستفتاء كان في شأن النساء خاصّة ، والمراد المستضعفون والمستضعفات ، ولكنّ صيغة التذكير تغليب ، وكذلك الولدان ، وقد كانوا في الجاهلية يأكلون أموال من في حجرهم من الصغار . وقوله : وَأَنْ تَقُومُوا عطف على يَتامَى النِّساءِ ، أي وما يتلى عليكم في القيام لليتامى بالعدل . ومعنى القيام لهم التدبير لشئونهم ، وذلك يشمل يتامى النساء . [ 128 - 130 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 128 إلى 130 ] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 128 ) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 129 ) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً ( 130 ) عطف لبقية إفتاء اللّه تعالى . وهذا حكم اختلال المعاشرة بين الزوجين ، وقد تقدّم بعضه في قوله : وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ [ النساء : 34 ] الآية ، في هذه السورة ، فذلك حكم فصل القضاء بينهما ، وما هنا حكم الانفصال بالصلح بينهما ، وذلك ذكر فيه نشوز المرأة ، وهنا ذكر نشوز البعل . والبعل زوج المرأة . وقد تقدّم وجه إطلاق هذا الاسم عليه في قوله وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ في سورة البقرة [ 228 ] . وصيغة فَلا جُناحَ من صيغ الإباحة ظاهرا ، فدلّ ذلك على الإذن للزوجين في صلح يقع بينهما . وقد علم أنّ الإباحة لا تذكر إلّا حيث يظنّ المنع ، فالمقصود الإذن في صلح يكون بخلع : أي عوض مالي تعطيه المرأة ، أو تنازل عن بعض حقوقها ، فيكون مفاد هذه الآية أعمّ من مفاد قوله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [ البقرة : 229 ] ، فسمّاه هناك افتداء ، وسمّاه هنا صلحا . وقد شاع في الاستعمال إطلاق