الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
262
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقيل : الخطاب لكفار العرب ، أي ليس بأمانيّ المشركين ، إذ جعلوا الأصنام شفعاءهم عند اللّه ، ولا أمانيّ أهل الكتاب الذين زعموا أنّ أنبياءهم وأسلافهم يغنون عنهم من عذاب اللّه ، وهو محمل للآية . وقوله : وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً زيادة تأكيد ، لردّ عقيدة من يتوهّم أنّ أحدا يغني عن عذاب اللّه . والوليّ هو المولى ، أي المشارك في نسب القبيلة ، والمراد به المدافع عن قريبه ، والنصير الذي إذا استنجدته نصرك ، أو الحليف ، وكان النصر في الجاهلية بأحد هذين النوعين . ووجه قوله : مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى قصد التعميم والردّ على من يحرم المرأة حظوظا كثيرة من الخير من أهل الجاهلية أو من أهل الكتاب . وفي الحديث « وليشهدن الخير ودعوة المسلمين » . و ( من ) لبيان الإبهام الذي في ( من ) الشرطية في قوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ . وقرأ الجمهور يَدْخُلُونَ - بفتح التحتية وضمّ الخاء - . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر ، وروح عن يعقوب - بضمّ التحتيّة وفتح الخاء - على البناء للنائب . [ 125 ، 126 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 125 إلى 126 ] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ( 125 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ( 126 ) الأظهر أنّ الواو للحال من ضمير يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [ النساء : 124 ] الذي ما صدقه المؤمنون الصالحون ، فلما ذكر ثواب المؤمنين أعقبه بتفضيل دينهم . والاستفهام إنكاري . وانتصب دِيناً على التمييز . وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية ، وهو أحسن الكنايات ، لأنّ الوجه أشرف الأعضاء ، وفيه ما كان به الإنسان إنسانا ، وفي القرآن فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [ آل عمران : 20 ] . والعرب تذكر أشياء من هذا القبيل كقوله : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ [ العلق : 15 ] ، ويقولون : أخذ بساقه ، أي تمكن منه ، وكأنّه تمثيل لإمساك الرعاة الأنعام . وفي الحديث « الطلاق لمن أخذ بالساق » ويقولون : ألقى إليه القياد ، وألقى إليه الزمام ، وقال زيد بن عمرو بن نفيل :