الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
261
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نزولها : أنّه وقع تحاجّ بين المسلمين وأهل الكتاب : اليهود والنصارى ، كلّ فريق يقول للآخرين : نحن خير منكم ، ويحتجّ لذلك ويقول : لن يدخل الجنة إلّا من كان على ديننا . فأنزل اللّه لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ الآيات مبين أن كلّ من اتّبع هدى اللّه فهو من أهل الجنة وكلّ من ضلّ وخالف أمر اللّه فهو مجازى بسوء عمله ، فالذين آمنوا من اليهود قبل بعثة عيسى وعملوا الصالحات هم من أهل الجنة وإن لم يكونوا على دين عيسى ، فبطل قول النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا والذين آمنوا بموسى وعيسى قبل بعثه محمد صلى اللّه عليه وسلم وعملوا الصالحات يدخلون الجنّة ، فبطل قول المسلمين واليهود : لن يدخل الجنّة إلّا من كان على ديننا فكانت هذه الآية حكما فصلا بين الفرق ، وتعليما لهم أن ينظروا في توفّر حقيقة الإيمان الصحيح ، وتوفّر العمل الصالح معه ، ولذلك جمع اللّه أماني الفرق الثلاث بقوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ . ثم إنّ اللّه لوّح إلى فلج حجّة المسلمين بإشارة قوله : وَهُوَ مُؤْمِنٌ فإن كان إيمان اختلّ منه بعض ما جاء به الدين الحقّ ، فهو كالعدم ، فعقّب هذه الآية بقوله : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ النساء : 125 ] . والمعنى أنّ الفوز في جانب المسلمين ، لا لأنّ أمانيّهم كذلك ، بل لأنّ أسباب الفوز والنجاة متوفّرة في دينهم . وعن عكرمة : قالت اليهود والنصارى : لن يدخل الجنّة إلّا من كان منّا . وقال المشركون : لا نبعث . والباء في قوله : بِأَمانِيِّكُمْ للملابسة ، أي ليس الجزاء حاصلا حصولا على حسب أمانيّكم ، وليست هي الباء التي تزاد في خبر ليس لأنّ أمانيّ المخاطبين واقعة لا منفية . والأمانيّ جمع أمنية ، وهي اسم للتمنّي ، أي تقدير غير الواقع واقعا . والأمنية بوزن أفعولة كالأعجوبة . وقد تقدّم ذلك في تفسير قوله تعالى : لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ في سورة البقرة [ 78 ] . وكأنّ ذكر المسلمين في الأماني لقصد التعميم في تفويض الأمور إلى ما حكم اللّه ووعد ، وأنّ ما كان خلاف ذلك لا يعتدّ به . وما وافقه هو الحقّ ، والمقصد المهمّ هو قوله : وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ على نحو : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ : 24 ] فإنّ اليهود كانوا في غرور ، يقولون : لن تمسّنا النار إلّا أيّاما معدودة . وقد سمّى اللّه تلك أماني عند ذكره في قوله : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ [ البقرة : 111 ] . أمّا المسلمون فماحشون من اعتقاد مثل ذلك .