الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
26
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فِيها وأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين ب ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) إشارة بديعة إلى أنّ المال الرائج بين الناس هو حقّ لمالكية المختصّين به في ظاهر الأمر ، ولكنّه عند التأمّل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء لأنّ في حصوله منفعة للأمّة كلّها ، لأنّ ما في أيدي بعض أفرادها من الثروة يعود إلى الجميع بالصالحة ، فمن تلك الأموال ينفق أربابها ويستأجرون ويشترون ويتصدّقون ثم تورث عنهم إذا ماتوا فينتقل المال بذلك من يد إلى غيرها فينتفع العاجز والعامل والتاجر والفقير وذو الكفاف ، ومتى قلّت الأموال من أيدي الناس تقاربوا في الحاجة والخصاصة ، فأصبحوا في ضنك وبؤس ، واحتاجوا إلى قبيلة أو أمّة أخرى وذلك من أسباب ابتزاز عزّهم ، وامتلاك بلادهم ، وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم ، فلأجل هاته الحكمة أضاف اللّه تعالى الأموال إلى جميع المخاطبين ليكون لهم الحقّ في إقامة الأحكام التي تحفظ الأموال والثروة العامة . وهذه إشارة لا أحسب أنّ حكيما من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها . وقد أبعد جماعة جعلوا الإضافة لأدنى ملابسة ، لأنّ الأموال في يد الأولياء ، وجعلوا الخطاب للأولياء خاصّة . وجماعة جعلوا الإضافة للمخاطبين لأنّ الأموال من نوع أموالهم ، وإن لم تكن أموالهم حقيقة ، وإليه مال الزمخشري . وجماعة جعلوا الإضافة لأنّ السفهاء من نوع المخاطبين فكأنّ أموالهم أموالهم وإليه مال فخر الدين . وقارب ابن العرب إذ قال : « لأنّ الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد وتخرج من ملك إلى ملك » وبما ذكرته من البيان كان لكلمته هذه شأن . وأبعد فريق آخرون فجعلوا الإضافة حقيقية أي لا تؤتوا - يا أصحاب الأموال - أموالكم لمن يضيعها من أولادكم ونسائكم ، وهذا أبعد الوجوه ، ولا إخال الحامل على هذا التقدير إلّا الحيرة في وجه الجمع بين كون الممنوعين من الأموال السفهاء ، وبين إضافة تلك الأموال إلى ضمير المخاطبين ، وإنّما وصفته بالبعد لأنّ قائله جعله هو المقصود من الآية ولو جعله وجها جائزا يقوم من لفظ الآية لكان له وجه وجيه بناء على ما تقرّر في المقدّمة التاسعة . وأجرى على الأموال صفة تزيد إضافتها إلى المخاطبين وضوحا وهي قوله : الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً فجاء في الصفة بموصول إيماء إلى تعليل النهي ، وإيضاحا لمعنى الإضافة ، فإنّ ( قِياماً ) مصدر على وزن فعل بمعنى فعال : مثل عوذ بمعنى عياذ ، وهو من الواوي وقياسه قوم ، إلّا أنّه أعلّ بالياء شذوذا كما شذّ جياد في جمع جواد وكما شذّ طيال في لغة ضبّة في جمع طويل ، قصدوا قلب الواو ألفا بعد الكسرة كما فعلوه في قيام ونحوه ، إلّا أنّ ذلك في وزن فعال مطّرد ، وفي غيره شاذّ لكثرة فعال في المصادر ، وقلّة