الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
27
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فعل فيها ، وقيم من غير الغالب . كذا قرأه نافع ، وابن عامر : « قيما » بوزن فعل ، وقرأه الجمهور « قياما » ، والقيام ما به يتقوّم المعاش وهو واوي أيضا وعلى القراءتين فالإخبار عن الأموال به إخبار بالمصدر للمبالغة مثل قول الخنساء : فإنّما هي إقبال وإدبار والمعنى أنّها تقويم عظيم لأحوال الناس . وقيل : قيما جمع قيمة أي التي جعلها اللّه قيما أي أثمانا للأشياء ، وليس فيه إيذان بالمعنى الجليل المتقدّم . ومعنى قوله : وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ واقع موقع الاحتراس أي لا تؤتوهم الأموال إيتاء تصرّف مطلق ، ولكن آتوهم إيّاها بمقدار انتفاعهم من نفقة وكسوة ، ولذلك قال فقهاؤنا : تسلّم للمحجور نفقته وكسوته إذا أمن عليها بحسب حاله وماله ، وعدل عن تعدية ارْزُقُوهُمْ و اكْسُوهُمْ ب ( من ) إلى تعديتها ب ( في ) الدالّة على الظرفية المجازية ، على طريقة الاستعمال في أمثاله ، حين لا يقصد التبعيض الموهم للإنقاص من ذات الشيء ، بل يراد أنّ في جملة الشيء ما يحصل به الفعل : تارة من عينه ، وتارة من ثمنه ، وتارة من نتاجه ، وأنّ ذلك يحصل مكرّرا مستمرّا . وانظر ذلك في قول سبرة بن عمرو الفقعسي : نحابي بها أكفاءنا ونهينها * ونشرب في أثمانها ونقامر يريد الإبل التي سيقت إليهم في دية قتيل منهم ، أي نشرب بأثمانها ونقامر ، فإمّا شربنا بجميعها أو ببعضها أو نسترجع منها في القمار ، وهذا معنى بديع في الاستعمال لم يسبق إليه المفسّرون هنا ، فأهمل معظمهم التنبيه على وجه العدول إلى ( في ) ، واهتدى إليه صاحب « الكشاف » بعض الاهتداء فقال : أي اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتّجروا فيها وتتربّحوا حتّى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال . فقوله : « لا من صلب المال » مستدرك ، ولو كان كما قال لاقتضى نهيا عن الإنفاق من صلب المال . وإنّما قال : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً ليسلم إعطاؤهم النفقة والكسوة من الأذى ، فإنّ شأن من يخرج المال من يده أن يستثقل سائل المال ، وذلك سواء في العطايا التي من مال المعطي ، والتي من مال المعطى ، ولأنّ جانب السفيه ملموز بالهون ، لقلّة تدبيره ، فلعلّ ذلك يحمل وليّه على القلق من معاشرة اليتيم فيسمعه ما يكره مع أنّ نقصان عقله خلل في الخلقة ، فلا ينبغي أن يشتم عليه ، ولأنّ السفيه غالبا يستنكر منع ما يطلبه من واسع المطالب ، فقد يظهر عليه ، أو يصدر منه كلمات مكروهة لوليّه ، فأمر اللّه لأجل ذلك كلّه الأولياء بأن لا يبتدءوا محاجيرهم بسيّئ الكلام ، ولا يجيبوهم بما يسوء ، بل يعظون