الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
254
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الكثير ، موصوفا بأن لا خير فيه وبذلك يتّضح أنّ الاستثناء متّصل ، وأن لا داعي إلى جعله منقطعا . والمقصد من ذلك كلّه الاهتمام والتنويه بشأن هذه الثلاثة ، ولو تناجى فيها من غالب أمره قصد الشرّ . وقوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ إلخ وعد بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة اللّه . فدلّ على أنّ كونها خيرا وصف ثابت لها لما فيها من المنافع ، ولأنّها مأمور بها في الشرع ، إلّا أنّ الثواب لا يحصل إلّا عن فعلها ابتغاء مرضاة اللّه كما في حديث : « إنما الأعمال بالنيات » . وقرأ الجمهور : ( نؤتيه ) - بنون العظمة - على الالتفات من الغيبة في قوله : مَرْضاتِ اللَّهِ . [ 115 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 115 ] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 115 ) عطف على وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [ النساء : 114 ] بمناسبة تضادّ الحالين . والمشاقّة : المخالفة المقصودة ، مشتقّة من الشّقّ لأنّ المخالف كأنّه يختار شقّا يكون فيه غير شقّ الآخر . فيحتمل قوله : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى أن يكون أراد به من بعد ما آمن بالرسول فتكون الآية وعيدا للمرتدّ . ومناسبتها هنا أن بشير بن أبيرق صاحب القصّة المتقدّمة ، لمّا افتضح أمره ارتدّ ولحق بمكة ، ويحتمل أن يكون مرادا به من بعد ما ظهر صدق الرسول بالمعجزات ، ولكنّه شاقّه عنادا ونواء للإسلام . وسبيل كلّ قوم طريقتهم التي يسلكونها في وصفهم الخاصّ ، فالسبيل مستعار للاعتقادات والأفعال والعادات ، التي يلازمها أحد ولا يبتغي التحوّل عنها ، كما يلازم قاصد المكان طريقا يبلغه إلى قصده ، قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [ يوسف : 108 ] ومعنى هذه الآية نظير معنى قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ [ محمد : 32 ] ، فمن اتّبع سبيل المؤمنين في الإيمان واتّبع سبيل غيرهم في غير الكفر مثل اتّباع سبيل يهود خبير في غراسة النخيل ، أو بناء الحصون ، لا يحسن أن يقال فيه اتّبع غير سبيل المؤمنين . وكأنّ فائدة عطف اتّباع غير سبيل المؤمنين على مشاقّة الرسول الحيطة لحفظ الجامعة الإسلامية بعد