الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

255

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الرسول ، فقد ارتدّ بعض العرب بعد الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وقال الحطيئة في ذلك : أطعنا رسول اللّه إذ كان بيننا * فيا لعباد اللّه ما لأبي بكر فكانوا ممّن اتّبع غير سبيل المؤمنين ولم يشاقّوا الرسول . ومعنى قوله : نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى الإعراض عنه ، أي نتركه وشأنه لقلّة الاكتراث به ، كما ورد في الحديث « وأمّا الآخر فأعرض اللّه عنه » . وقد شاع عند كثير من علماء أصول الفقه الاحتجاج بهذه الآية ، لكون إجماع علماء الإسلام على حكم من الأحكام حجّة ، وأوّل من احتجّ بها على ذلك الشافعي . قال الفخر : « روي أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب اللّه تدلّ على أنّ الإجماع حجّة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتّى وجد هذه الآية . وتقرير الاستدلال أنّ اتّباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتّباع سبيل المؤمنين واجبا . بيان المقدمة الأولى : أنّه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتّبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقّة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد ، فلو لم يكن اتّباع غير سبيل المؤمنين موجبا له ، لكان ذلك ضمّا لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقلّ باقتضاء ذلك الوعيد ، وأنّه غير جائز ، فثبت أنّ اتّباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتّباع سبيلهم واجبا » . وقد قرّر غيره الاستدلال بالآية على حجّيّة الإجماع بطرق أخرى ، وكلّها على ما فيها من ضعف في التقريب ، وهو استلزام الدليل للمدّعي ، قد أوردت عليها نقوض أشار إليها ابن الحاجب في « المختصر » . واتّفقت كلمة المحقّقين : الغزالي ، والإمام في « المعالم » ، وابن الحاجب ، على توهين الاستدلال بهذه الآية على حجّيّة الإجماع . [ 116 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 116 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 116 ) استئناف ابتدائي ، جعل تمهيدا لما بعده من وصف أحوال شركهم . وتعقيب الآية السابقة بهذه مشير إلى أنّ المراد باتّباع غير سبيل المؤمنين اتّباع سبيل الكفر من شرك وغيره ، فعقّبه بالتحذير من الشرك ، وأكّده بأنّ للدلالة على رفع احتمال المبالغة أو المجاز . وتقدّم القول في مثل هذه الآية قريبا . غير أنّ الآية السابقة قال فيها وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً [ النساء : 48 ] وقال في هذه فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً وإنّما قال في السابقة فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً لأنّ المخاطب فيها أهل الكتاب بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ