الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
253
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يصير إلى المناجاة إلّا في أحوال شاذّة يناسبها إخفاء الحديث . فمن يناجي في غير تلك الأحوال رمي بأنّ شأنه ذميم ، وحديثه فيما يستحيي من إظهاره ، كما قال صالح بن عبد القدوس : الستر دون الفاحشات ولا * يغشاك دون الخير من ستر وقد نهى اللّه المسلمين عن النجوى غير مرّة ، لأنّ التناجي كان من شأن المنافقين فقال : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ [ المجادلة : 8 ] وقال : إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ المجادلة : 10 ] . وقد ظهر من نهي النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يتناجى اثنان دون ثالث أنّ النجوى تبعث الريبة في مقاصد المتناجين ، فعلمنا من ذلك أنّها لا تغلب إلّا على أهل الريب والشبهات ، بحيث لا تصير دأبا إلّا لأولئك ، فمن أجل ذلك نفى اللّه الخير عن أكثر النجوى . ومعنى لا خَيْرَ أنّه شرّ ، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه ، لعدم الاعتداد بالواسطة ، كقوله تعالى : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [ يونس : 32 ] ، ولأنّ مقام التشريع إنّما هو بيان الخير والشرّ . وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو متناجيهم ، فعلم من مفهوم الصفة أنّ قليلا من نجواهم فيه خير ، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع . والاستثناء في قوله : إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ على تقدير مضاف ، أي : إلّا نجوى من أمر ، أو بدون تقدير إن كانت النجوى بمعنى المتناجين ، وهو مستثنى من كَثِيرٍ ، فحصل من مفهوم الصفة ومفهوم الاستثناء قسمان من النجوى يثبت لهما الخير ، ومع ذلك فهما قليل من نجواهم . أمّا القسم الذي أخرجته الصفة ، فهو مجمل يصدق في الخارج على كلّ نجوى تصدر منهم فيها نفع ، وليس فيها ضرر ، كالتناجي في تشاور فيمن يصلح لمخالطة ، أو نكاح أو نحو ذلك . وأمّا القسم الذي أخرجه الاستثناء فهو مبيّن في ثلاثة أمور : الصدقة ، والمعروف ، والإصلاح بين الناس . وهذه الثلاثة لو لم تذكر لدخلت في القليل من نجواهم الثابت له الخير ، فلمّا ذكرت بطريق الاستثناء علمنا أنّ نظم الكلام جرى على أسلوب بديع فأخرج ما فيه الخير من نجواهم ابتداء بمفهوم الصفة ، ثم أريد الاهتمام ببعض هذا القليل من نجواهم ، فأخرج من كثير نجواهم بطريق الاستثناء ، فبقي ما عدا ذلك من نجواهم ، وهو