الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
25
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحكم هذه الآية ممّا أشار إليه قوله تعالى : وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء : 1 ] . [ 5 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 5 ] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 5 ) عطف على قوله : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ [ النساء : 4 ] لدفع توهّم إيجاب أن يؤتى كلّ مال لمالكه من أجل تقدّم الأمر بإتيان الأموال مالكيها مرّتين في قوله : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ [ النساء : 2 ، 4 ] . أو عطف على قوله : وَآتُوا الْيَتامى وما بينهما اعتراض . والمقصود بيان الحال التي يمنع فيها السفيه من ماله ، والحال التي يؤتى فيها ماله ، وقد يقال كان مقتضى الظاهر على هذا الوجه أن يقدّم هنالك حكم منع تسليم مال اليتامى لأنّه أسبق في الحصول ، فيتّجه لمخالفة هذا المقتضى أن نقول قدّم حكم التسليم ، لأنّ الناس أحرص على ضدّه ، فلو ابتدأ بالنهي عن تسليم الأموال للسفهاء لاتّخذه الظالمون حجّة لهم ، وتظاهروا بأنّهم إنّما يمنعون الأيتام أموالهم خشية من استمرار السفه فيهم ، كما يفعله الآن كثير من الأوصياء والمقدّمين غير الأتقياء ، إذ يتصدّون للمعارضة في بيّنات ثبوت الرشد لمجرّد الشغب وإملال المحاجير من طلب حقوقهم . والخطاب في قوله : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ كمثل الخطاب في وَآتُوا الْيَتامى وَآتُوا النِّساءَ هو لعموم الناس المخاطبين بقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [ الحج : 1 ] ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظّه من الامتثال . والسفهاء يجوز أن يراد به اليتامى ، لأنّ الصغر هو حالة السفه الغالبة ، فيكون مقابلا لقوله : وَآتُوا الْيَتامى لبيان الفرق بين الإيتاء بمعنى الحفظ والإيتاء بمعنى التمكين ، ويكون العدول عن التعبير عنهم باليتامى إلى التعبير هنا بالسفهاء لبيان علّة المنع . ويجوز أن يراد به مطلق من ثبت له السفه ، سواء كان عن صغر أم عن اختلال تصرّف ، فتكون الآية قد تعرّضت للحجر على السفيه الكبير استطرادا للمناسبة ، وهذا هو الأظهر لأنّه أوفر معنى وأوسع تشريعا . وتقدّم بيان معاني السفه عند قوله تعالى : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ في سورة البقرة [ 130 ] . والمراد بالأموال أموال المحاجير المملوكة لهم ، ألا ترى إلى قوله : وَارْزُقُوهُمْ