الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
248
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عروض الخطأ في الفهم لغير الرسول دون الرسول صلى اللّه عليه وسلم . واللام في قوله : لِلْخائِنِينَ خَصِيماً لام العلّة وليست لام التقوية . ومفعول خَصِيماً محذوف دلّ عليه ذكر مقابله وهو لِلْخائِنِينَ أي لا تكن تخاصم من يخاصم الخائنين ، أي لا تخاصم عنهم . فالخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع كقوله : « كنت أنا خصمه يوم القيامة » . والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمراد الأمّة ، لأنّ الخصام عن الخائنين لا يتوقّع من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإنّما المراد تحذير الذين دفعتهم الحميّة إلى الانتصار لأبناء أبيرق . والأمر باستغفار اللّه جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول ، فالمراد بالأمر غيره ، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار اللّه ممّا اقترفوه ، أو أراد : واستغفر اللّه للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم . وهذا نظير قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ [ النساء : 64 ] وليس المراد بالأمر استغفار النبي لنفسه ، كما أخطأ فيه من توهّم ذلك ، فركّب عليه أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم خطر بباله ما أوجب أمره بالاستغفار ، وهو همّه أن يجادل عن بني أبيرق ، مع علمه بأنّهم سرقوا ، خشية أن يفتضحوا ، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم . والخطاب في قوله : وَلا تُجادِلْ للرسول ، والمراد نهي الأمّة عن ذلك ، لأنّ مثله لا يترقّب صدوره من الرسول عليه الصلاة والسلام كما دلّ عليه قوله تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . و يَخْتانُونَ بمعنى يخونون ، وهو افتعال دالّ على التكلّف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة . ومعنى خيانتهم أنفسهم أنّهم بارتكابهم ما يضرّ بهم كانوا بمنزلة من يخون غيره كقوله : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 187 ] . ولك أن تجعل أَنْفُسَهُمْ هنا بمعنى بني أنفسهم ، أي بني قومهم ، كقوله تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ [ البقرة : 85 ] ، وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [ النور : 61 ] ، أي الذين يختانون ناسا من أهلهم وقومهم . والعرب تقول : هو تميمي من أنفسهم ، أي ليس بمولى ولا لصيق . والمجادلة مفاعلة من الجدل ، وهو القدرة على الخصام والحجّة فيه ، وهي منازعة بالقول لإقناع الغير برأيك ، ومنه سمّي علم قواعد المناظرة والاحتجاج في الفقه علم الجدل ، ( وكان يختلط بعلم أصول الفقه وعلم آداب البحث وعلم المنطق ) . ولم يسمع