الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
249
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للجدل فعل مجرّد أصلي ، والمسموع منه جادل لأنّ الخصام يستدعي خصمين . وأمّا قولهم : جدله فهو بمعنى غلبه في المجادلة ، فليس فعلا أصليا في الاشتقاق . ومصدر المجادلة ، الجدال ، قال تعالى : وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [ البقرة : 197 ] . وأمّا الجدل بفتحتين فهو اسم المصدر ، وأصله مشتقّ من الجدل ، وهو الصرع على الأرض ، لأنّ الأرض تسمّى الجدالة - بفتح الجيم - يقال : جدله فهو مجدول . وجملة : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ بيان ل يَخْتانُونَ . وجملة : وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ حال ، وذلك هو محلّ الاستغراب من حالهم وكونهم يختانون أنفسهم . والاستخفاء من اللّه مستعمل مجازا في الحياء ، إذ لا يعتقد أحد يؤمن باللّه أنّه يستطيع أن يستخفي من اللّه . وجملة : وَهُوَ مَعَهُمْ حال من اسم الجلالة ، والمعية هنا معية العلم والاطّلاع و إِذْ يُبَيِّتُونَ ظرف ، والتبييت جعل الشيء في البيات ، أي الليل ، مثل التصبيح ، يقال : بيّتهم العدوّ وصبّحهم العدوّ وفي القرآن : لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [ النمل : 49 ] أي لنأتينّهم ليلا فنقلتهم . والمبيّت هنا هو ما لا يرضي من القول ، أي دبّروه وزوّروه ليلا لقصد الإخفاء ، كقول العرب : هذا أمر قضي بليل ، أو تشوور فيه بليل ، والمراد هنا تدبير مكيدتهم لرمي البراء بتهمة السرقة . وقوله ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ استئناف أثاره قوله : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ، والمخاطب كلّ من يصلح للمخاطبة من المسلمين . والكلام جار مجرى الفرض والتقدير ، أو مجرى التعريض ببعض بني ظفر الذين جادلوا عن بني أبيرق . والقول في تركيب ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تقدّم في سورة البقرة [ 85 ] عند قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ، وتقدّم نظيره في آل عمران [ 119 ] ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ . و ( أم ) في قوله : أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا منقطعة للإضراب الانتقالي . و ( من ) استفهام مستعمل في الإنكار . والوكيل مضى الكلام عليه عند قوله تعالى : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ في سورة آل عمران [ 173 ] . [ 110 - 113 ]