الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
231
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بيانيا لسائل متردّد ، ولذلك فصلت ، ولذلك صدّرت بحرف التأكيد ، فإنّ حالهم يوجب شكّا في أن يكونوا ملحقين بالكفّار ، كيف وهم قد ظهر ميلهم إلى الإسلام . ومنهم من دخل فيه بالفعل ثم صدّ عنه أو فتن لأجله . والموصول هنا في قوّة المعرّف بلام الجنس ، وليس المراد شخصا أو طائفة بل جنس من مات ظالما نفسه ، ولما في الصلة من الإشعار بعلّة الحكم وهو قوله : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ، أي لأنّهم ظلموا أنفسهم . ومعنى تَوَفَّاهُمُ تميتهم وتقبض أرواحهم ، فالمعنى : أنّ الذين يموتون ظالمي أنفسهم ، فعدل عن يموتون أو يتوفّون إلى توفّاهم الملائكة ليكون وسيلة لبيان شناعة فتنتهم عند الموت . و « الملائكة » جمع أريد به الجنس ، فاستوى في إفادة معنى الجنس جمعه ، كما هنا ، ومفرده كما في قوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [ السجدة : 11 ] فيجوز أن يكون ملك الموت الذي يقبض أرواح الناس واحدا ، بقوة منه تصل إلى كلّ هالك ، ويجوز أن يكون لكلّ هالك ملك يقبض روحه ، وهذا أوضح ، ويؤيّده قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ إلى قوله : قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ . و تَوَفَّاهُمُ فعل مضي يقال : توفّاه اللّه ، وتوفّاه ملك الموت ، وإنّما لم يقرن بعلامة تأنيث فاعل الفعل ، لأنّ تأنيث صيغ جموع التكسير تأنيث لفظي لا حقيقي فيجوز لحاق تاء التأنيث لفعلها ، تقول : غزت العرب ، وغزى العرب . وظلم النفس أن يفعل أحد فعلا يؤول إلى مضرّته ، فهو ظالم لنفسه ، لأنّه فعل بنفسه ما ليس من شأن العقلاء أن يفعلوه لوخامة عقباه . والظلم هو الشيء الذي لا يحقّ فعله ولا ترضى به النفوس السليمة والشرائع ، واشتهر إطلاق ظلم النفس في القرآن على الكفر وعلى المعصية . وقد اختلف في المراد به في هذه الآية ، فقال ابن عباس : المراد به الكفر ، وأنّها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا حين كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم بمكة ، فلمّا هاجر أقاموا مع قومهم بمكة ففتنوهم فارتدّوا ، وخرجوا يوم بدر مع المشركين فكثّروا سواد المشركين ، فقتلوا ببدر كافرين ، فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ولكنّهم أكرهوا على الكفر والخروج ، فنزلت هذه الآية فيهم . رواه البخاري عن ابن عباس ،