الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

232

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قالوا : وكان منهم أبو قيس بن الفاكه ، والحارث بن زمعة ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه بن الحجاج ؛ فهؤلاء قتلوا . وكان العباس بن عبد المطلب ، وعقيل ونوفل ابنا أبي طالب فيمن خرج معهم ، ولكن هؤلاء الثلاثة أسروا وفدوا أنفسهم وأسلموا بعد ذلك ، وهذا أصحّ الأقوال في هذه الآية . وقيل : أريد بالظلم عدم الهجرة إذ كان قوم من أهل مكة أسلموا وتقاعسوا عن الهجرة . قال السديّ : كان من أسلم ولم يهاجر يعتبر كافرا حتّى يهاجر ، يعني ولو أظهر إسلامه وترك حال الشرك . وقال غيره : بل كانت الهجرة واجبة ولا يكفّر تاركها . فعلى قول السدّي فالظلم مراد به أيضا الكفر لأنّه معتبر من الكفر في نظر الشرع ، أي أنّ الشرع لم يكتف بالإيمان إذا لم يهاجر صاحبه مع التمكّن من ذلك ، وهذا بعيد فقد قال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [ الأنفال : 72 ] الآية ؛ فأوجب على المسلمين نصرهم في الدين إن استنصروهم ، وهذه حالة تخالف حالة الكفّار . وعلى قول غيره : فالظلم المعصية العظيمة ، والوعيد الذي في هذه الآية صالح للأمرين ، على أنّ المسلمين لم يعدّوا الذين لم يهاجروا قبل فتح مكة في عداد الصحابة . قال ابن عطية : لأنّهم لم يتعيّن الذين ماتوا منهم على الإسلام والذين ماتوا على الكفر فلم يعتدّوا بما عرفوا منهم قبل هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وجملة : قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ خبر ( إنّ ) . والمعنى : قالوا لهم قول توبيخ وتهديد بالوعيد وتمهيد لدحض معذرتهم في قولهم : كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ، فقالوا لهم أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها . ويجوز أن يكون جملة : قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ موضع بدل الاشتمال من جملة تَوَفَّاهُمُ ، فإنّ توفّي الملائكة إيّاهم المحكي هنا يشتمل على قولهم لهم فِيمَ كُنْتُمْ . وأمّا جملة قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ فهي مفصولة عن العاطف جريا على طريقة المقاولة في المحاورة ، على ما بيّناه عند قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة . وكذلك جملة : قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً . ويكون خبر ( إنّ ) قوله : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً على أن يكون دخول الفاء في الخبر لكون اسم إنّ موصولا فإنّه يعامل معاملة أسماء الشروط كثيرا ، وقد تقدّمت نظائره . والإتيان بالفاء هنا أولى لطول الفصل بين اسم ( إنّ ) وخبرها بالمقاولة ، بحيث صار الخبر كالنتيجة لتلك المقاولة كما يدلّ عليه أيضا اسم الإشارة .