الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

230

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى معترضة . وتنوين « كلا » تنوين عوض عن مضاف إليه ، والتقدير : وكلّ المجاهدين والقاعدين . وعطف وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً على جملة فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ، وإن كان معنى الجملتين واحدا باعتبار ما في الجملة الثانية من زيادة أَجْراً عَظِيماً فبذلك غايرت الجملة المعطوفة الجملة المعطوف عليها مغايرة سوّغت العطف ، مع ما في إعادة معظم ألفاظها من توكيد لها . والمراد بقوله : الْمُجاهِدِينَ المجاهدون بأموالهم وأنفسهم فاستغني عن ذكر القيد بما تقدّم من ذكره في نظيره السابق . وانتصب أَجْراً عَظِيماً على النيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع لأنّ الأجر هو ذلك التفضيل ، ووصف بأنّه عظيم . وانتصب درجات على البدل من قوله أَجْراً عَظِيماً ، أو على الحال باعتبار وصف درجات بأنّها مِنْهُ أي من اللّه . وجمع دَرَجاتٍ لإفادة تعظيم الدرجة لأنّ الجمع لما فيه من معنى الكثرة تستعار صيغته لمعنى القوّة ، ألا ترى أنّ علقمة لمّا أنشد الحارث بن جبلة ملك غسان قوله يستشفع لأخيه شأس بن عبدة : وفي كلّ حي قد خبطت بنعمة * فحقّ لشأس من نداك ذنوب قال له الملك « وأذنبة » . [ 97 - 99 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 97 إلى 99 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 ) فلمّا جاء ذكر القاعدين عن الجهاد من المؤمنين بعذر وبدونه ، في الآية السالفة ، كان حال القاعدين عن إظهار إسلامهم من الذين عزموا عليه بمكة ، أو اتّبعوه ثمّ صدّهم أهل مكة عنه وفتنوهم حتّى أرجعوهم إلى عبادة الأصنام بعذر وبدونه ، بحيث يخطر ببال السامع أن يتساءل عن مصيرهم إن هم استمرّوا على ذلك حتّى ماتوا ، فجاءت هذه الآية مجيبة عمّا يجيش بنفوس السّامعين من التساؤل عن مصير أولئك ، فكان موقعها استئنافا