الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
229
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والضرر مصدر ضرر - بكسر الراء - مثل مرض ، وهذه الزنة تجيء في العاهات ونحوها ، مثل عمي وعرج وحصر ، ومصدرها مفتوح العين مثل العرج ، ولأجل خفّته - بفتح العين - امتنع إدغام المثلين فيه ، فقيل : ضرر بالفكّ ، وبخلاف الضرّ الذي هو مصدر ضرّه فهو واجب الإدغام إذ لا موجب للفكّ . ولا نعرف في كلام العرب إطلاق الضرر على غير العاهات الضارّة ؛ وأمّا ما روي من حديث « لا ضرر ولا ضرار » فهو نادر أو جرى على الاتباع والمزاوجة لاقترانه بلفظ ضرار وهو مفكّك . وزعم الجوهري أنّ ضرر اسم مصدر الضرّ ، وفيه نظر ؛ ولم يحفظ عن غيره ولا شاهد عليه . وقوله : بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ لأنّ الجهاد يقتضي الأمرين : بذل النفس وبذل المال ، إلّا أنّ الجهاد على الحقيقة هو بذل النفس في سبيل اللّه ولو لم يتفق شيئا ، بل ولو كان كلّا على المؤمنين ، كما أنّ من بذل المال لإعانة الغزاة ، ولم يجاهد بنفسه ، لا يسمّى مجاهدا وإن كان له أجر عظيم ، وكذلك من حبسه العذر وكان يتمنّى زوال عذره واللحاق بالمجاهدين ، له فضل عظيم ، ولكن فضل الجهاد بالفعل لا يساويه فضل الآخرين . وجملة : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بيان لجملة : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وحقيقة الدرجة أنّها جزء من مكان يكون أعلى من جزء أخر متّصل به ، بحيث تتخطّى القدم إليه بارتقاء من المكان الذي كانت عليه بصعود ، وذلك مثل درجة العليّة ودرجة السلّم . والدرجة هنا مستعارة للعلوّ المعنوي كما في قوله تعالى : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [ البقرة : 228 ] والعلوّ المراد هنا علوّ الفضل ووفرة الأجر . وجيء ب ( درجة ) بصيغة الإفراد ، وليس إفرادها للوحدة ، لأنّ درجة هنا جنس معنوي لا أفراد له ، ولذلك أعيد التعبير عنها في الجملة التي جاءت بعدها تأكيدا لها بصيغة الجمع بقوله : دَرَجاتٍ مِنْهُ لأنّ الجمع أقوى من المفرد . وتنوين دَرَجَةً للتعظيم . وهو يساوي مفاد الجمع في قوله الآتي دَرَجاتٍ مِنْهُ . وانتصب دَرَجَةً بالنيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع في فعل فَضَّلَ إذ الدرجة هنا زيادة في معنى الفضل ، فالتقدير : فضل اللّه المجاهدين فضلا هو درجة ، أي درجة فضلا .