الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
222
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 93 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 93 ] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ( 93 ) هذا هو المقصود من التشريع لأحكام القتل ، لأنّه هو المتوقّع حصوله من الناس ، وإنّما أخّر لتهويل أمره ، فابتدأ بذكر قتل الخطأ بعنوان قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [ النساء : 92 ] . والمتعمّد : القاصد للقتل ، مشتقّ من عمد إلى كذا بمعنى قصد وذهب . والأفعال كلّها لا تخرج عن حالتي عمد وخطأ ، ويعرف التعمّد بأن يكون فعلا لا يفعله أحد بأحد إلّا وهو قاصد إزهاق روحه بخصوصه بما تزهق به الأرواح في متعارف الناس ، وذلك لا يخفى على أحد من العقلاء . ومن أجل ذلك قال الجمهور من الفقهاء : القتل نوعان عمد وخطأ ، وهو الجاري على وفق الآية ، ومن الفقهاء من جعل نوعا ثالثا سمّاه شبه العمد ، واستندوا في ذلك إلى آثار مروية ، إن صحّت فتأويلها متعيّن وتحمل على خصوص ما وردت فيه . وذكر ابن جرير والواحدي أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ مقيسا بن صبابة « 1 » وأخاه هشام جاءا مسلمين مهاجرين فوجد هشام قتيلا في بني النجّار ، ولم يعرف قاتله ، فأمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بإعطاء أخيه مقيس مائة من الإبل ، دية أخيه ، وأرسل إليهم بذلك مع رجل من فهر فلمّا أخذ مقيس الإبل عدا على الفهري فقتله ، واستاق الإبل ، وانصرف إلى مكة كافرا ، وأنشد في شأن أخيه : قتلت به فهرا وحمّلت عقله * سراة بني النجّار أرباب فارع « 2 » حللت به وترى وأدركت ثؤرتي * وكنت إلى الأوثان أوّل راجع وقد أهدر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دمه يوم فتح مكة ، فقتل بسوق مكة . وقوله : خالِداً فِيها محمله عند جمهور علماء السنّة على طول المكث في النار لأجل قتل المؤمن عمدا ، لأنّ قتل النفس ليس كفرا باللّه ورسوله ، ولا خلود في النار إلّا للكفر ، على قول علمائنا من أهل السنّة ، فتعيّن تأويل الخلود بالمبالغة في طول المكث ،
--> ( 1 ) مقيس بميم مسكورة وقاف وتحتية بوزن منبر . وصبابة بصاد مهملة وباءين موحدتين . قيل هو اسم أمه . ( 2 ) فارع اسم حصن في المدينة لبني النجار .