الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
223
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهو استعمال عربي . قال النابغة في مرض النعمان بن المنذر : ونحن لديه نسأل اللّه خلده * يردّ ملكا وللأرض عامرا ومحمله عند من يكفّر بالكبائر من الخوارج ، وعند من يوجب الخلود على أهل الكبائر ، على وتيرة إيجاب الخلود بارتكاب الكبيرة . وكلا الفريقين متّفقون على أنّ التوبة ترد على جريمة قتل النفس عمدا ، كما ترد على غيرها من الكبائر ، إلّا أنّ نفرا من أهل السنّة شذّ شذوذا بيّنا في محمل هذه الآية : فروي عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس : أنّ قاتل النفس متعمّدا لا تقبل له توبة ، واشتهر ذلك عن ابن عباس وعرف به ، أخذا بهذه الآية ، وأخرج البخاري أنّ سعيد بن جبير قال : آية اختلف فيها أهل الكوفة ، فرحلت فيها إلى ابن عباس ، فسألته عنها ، فقال : نزلت هذه الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها الآية : هي آخر ما نزل وما نسخها شيء ، فلم يأخذ بطريق التأويل . وقد اختلف السلف في تأويل كلام ابن عباس : فحمله جماعة على ظاهره ، وقالوا : إنّ مستنده أنّ هذه الآية هي آخر ما نزل ، فقد نسخت الآيات التي قبلها ، التي تقتضي عموم التوبة ، مثل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 116 ] ، فقاتل النفس ممن لم يشأ اللّه يغفر له ومثل قوله وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ طه : 82 ] ، ومثل قوله : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً * إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [ الفرقان : 68 ، 69 ] . والحقّ أنّ محلّ التأويل ليس هو تقدّم النزول أو تأخّره ، ولكنّه في حمل مطلق الآية على الأدلّة التي قيّدت جميع أدلّة العقوبات الأخروية بحالة عدم التوبة . فأمّا حكم الخلود فحمله على ظاهره أو على مجازه ، وهو طول المدّة في العقاب ، مسألة أخرى لا حاجة إلى الخوض فيها حين الخوض في شأن توبة القاتل المتعمّد ، وكيف يحرم من قبول التوبة ، والتوبة من الكفر ، وهو أعظم الذنوب مقبولة ، فكيف بما هو دونه من الذنوب . وحمل جماعة مراد ابن عبّاس على قصد التهويل والزجر ، لئلّا يجترئ الناس على قتل النفس عمدا ، ويرجون التوبة ، ويعضدون ذلك بأنّ ابن عباس روي عنه أنّه جاءه رجل فقال : « ألمن قتل مؤمنا متعمّدا توبة » فقال : « لا إلّا النار » ، فلمّا ذهب قال له جلساؤه « أهكذا كنت تفتينا فقد كنت تقول إنّ توبته مقبولة » فقال : « إنّي لأحسب السائل رجلا