الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

221

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعالى : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ [ فصلت : 19 ] . وقوله : وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي إن كان القتيل المؤمن . فجعل للقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق ، أيّ عهد من أهل الكفر ، دية قتيلهم المؤمن اعتدادا بالعهد الذي بيننا - وهذا يؤذن بأنّ الدية جبر لأولياء القتيل ، وليست مالا موروثا عن القاتل ، إذ لا يرث الكافر المسلم ، فلا حاجة إلى تأويل الآية بأن يكون للمقتول المؤمن وارث مؤمن في قوم معاهدين ، أو يكون المقتول معاهدا لا مؤمنا ، بناء على أنّ الضمير في « كان » عائد على القتيل بدون وصف الإيمان ، وهو تأويل بعيد لأنّ موضوع الآية فيمن قتل مؤمنا خطأ . ولا يهولنّكم التصريح بالوصف في قوله : وَهُوَ مُؤْمِنٌ لأنّ ذلك احتراس ودفع للتوهّم عند الخبر عنه بقوله : مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أن يظن أحد أنّه أيضا عدوّ لنا في الدّين . وشرط كون القتيل مؤمنا في هذا لحكم مدلول بحمل مطلقه هنا على المقيّد في قوله هنالك وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، ويكون موضوع هذا التفصيل في القتيل المسلم خطأ لتصدير الآية بقوله : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً ، وهذا قول مالك ، وأبي حنيفة . وذهبت طائفة إلى إبقاء المطلق هنا على إطلاقه ، وحملوا معنى الآية على الذمّي والمعاهد ، يقتل خطأ فتجب الدية وتحرير رقبة ، وهو قول ابن عباس ، والشعبي ، والنخعي ، والشافعي ، ولكنّهم قالوا : إنّ هذا كان حكما في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين المسلمين صلح إلى أجل ، حتّى يسلموا أو يؤذنوا بحرب ، وإنّ هذا الحكم نسخ . وقوله : فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ وصف الشهران بأنّهما متتابعان والمقصود تتابع أيامهما . لأنّ تتابع الأيام يستلزم توالي الشهرين . وقوله : « توبة من اللّه » مفعول لأجله على تقدير : شرع اللّه الصيام توبة منه . والتوبة هنا مصدر تاب بمعنى قبل التوبة بقرينة تعديته ب ( من ) ، لأنّ تاب يطلق على معنى ندم وعلى معنى قبل منه ، كما تقدّم في قوله تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [ النساء : 17 ] في هذه السورة ، أي خفّف اللّه عن القاتل فشرع الصيام ليتوب عليه فيما أخطأ فيه لأنّه أخطأ في عظيم . ولك أن تجعل تَوْبَةً مفعولا لأجله راجعا إلى تحرير الرقبة والدية وبدلهما ، وهو الصيام ، أي شرع اللّه الجميع توبة منه على القاتل ، ولو لم يشرع له ذلك لعاقبه على أسباب الخطأ ، وهي ترجع إلى تفريط الحذر والأخذ بالحزم . أو هو حال من « صيام » ، أي سبب توبة ، فهو حال مجازية عقلية .