الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
220
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مجملا فعلم أنّ أحقّ الناس بها أقرب الناس إلى القتيل ، فإنّ الأهل هو القريب ، والأحقّ بها الأقرب . وهي في حكم الإسلام يأخذها ورثة القتيل على حسب الميراث إلّا أنّ القاتل خطأ إذا كان وارثا للقتيل لا يرث من ديته . وهي بمنزلة تعويض المتلفات ، جعلت عوضا لحياة الذي تسبّب القاتل في قتله ، وربما كان هذا المعنى هو المقصود من عهد الجاهلية ، ولذلك قالوا : تكايل الدّماء ، وقالوا : هما بواء ، أي كفآن في الدم وزادوا في دية سادتهم . وجعل عفو أهل القتيل عن أخذ الدية صدقة منهم ترغيبا في العفو . وقد أجمل القرآن من يجب عليه دفع الدية وبيّنته السنّة بأنّهم العاقلة ، وذلك تقرير لما كان عليه الأمر قبل الإسلام . والعاقلة : القرابة من القبيلة . تجب على الأقرب فالأقرب بحسب التقدّم في التعصيب . وقوله : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ الآية أي إن كان القتيل مؤمنا وكان أهله كفارا ، بينهم وبين المسلمين عداوة ، يقتصر في الكفّارة على تحرير الرقبة دون دفع دية لهم ، لأنّ الدية : إذا اعتبرناها جبرا لأولياء الدم ، فلمّا كانوا أعداء لم تكن حكمة في جبر خواطرهم ، وإذا اعتبرناها عوضا عن منافع قتيلهم ، مثل قيم المتلفات ، يكون منعها من الكفّار ؛ لأنّه لا يرث الكافر المسلم ، ولأنّا لا نعطيهم مالنا يتقوون به علينا . وهذا الحكم متّفق عليه بين الفقهاء ، إن كان القتيل المؤمن باقيا في دار قومه وهم كفّار فأمّا إن كان القتيل في بلاد الإسلام وكان أولياؤه كفّارا ، فقال ابن عبّاس ، ومالك ، وأبو حنيفة : لا تسقط عن القاتل ديته ، وتدفع لبيت مال المسلمين . وقال الشافعي ، والأوزاعي ، والثّوري : تسقط الدية لأنّ سبب سقوطها أنّ مستحقيها كفّار . وظاهر قوله تعالى : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ أنّ العبرة بأهل القتيل لا بمكان إقامته ، إذ لا أثر لمكان الإقامة في هذا الحكم ولو كانت إقامته غير معذور فيها . وأخبر عن قَوْمٍ بلفظ عَدُوٍّ وهو مفرد ، لأنّ فعولا بمعنى فاعل يكثر في كلامهم أن يكون مفردا مذكّرا غير مطابق لموصوفه ، كقوله : إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً [ النساء : 101 ] لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ [ الأنعام : 112 ] ، وامرأة عدوّ وشذّ قولهم عدوّة . وفي كلام عمر بن الخطاب في « صحيح البخاري » أنّه قال للنسوة اللاتي كنّ بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم فلمّا دخل عمر ابتدرن الحجاب لمّا رأينه « يا عدوّات أنفسهنّ » . ويجمع بكثرة على أعداء ، قال