الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

180

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الوجه تصلح لأن تكون تحريضا للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه ، فإنّه لم يكلّفهم إلّا اليسر ، كلّ هذا محمول على أنّ المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه . وعندي أنّ ذكر ذلك هنا من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض على الجهاد الآتي في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [ النساء : 71 ] وأنّ المراد ب اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ : ليقتل بعضكم بعضا فإنّ المؤمنين يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ الآية . والمراد بالخروج من الديار الهجرة ، أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة ، وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين . وقرأ الجمهور إِلَّا قَلِيلٌ - بالرفع - على البدل من الواو في ما فَعَلُوهُ على الاستثناء . وقرأه ابن عامر - بالنصب - على أحد وجهي الاستثناء من الكلام المنفي . ومعنى ما يُوعَظُونَ بِهِ علم من قوله : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ [ النساء : 63 ] ، أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق ، أي مضمون ما يوعظون لأنّ الوعظ هو الكلام والأمر ، والمفعول هو المأمور به ، أي لو فعلوا كلّ ما يبلّغهم الرسول ، ومن ذلك الجهاد والهجرة . وكونه خيرا أنّ فيه خير الدنيا لأنّ اللّه يعلم وهم لا يعلمون . ومعنى كونه أَشَدَّ تَثْبِيتاً يحتمل أنّه التثبيت على الإيمان وبذلك فسّروه ويحتمل عندي أنّه أشدّ تثبيتا لهم ، أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزّتهم وحياتهم الحقيقية فإنّهم إنّما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم ، ويكرهون المهاجرة حبّا لأوطانهم ، فعلّمهم اللّه أنّ الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشدّ تثبيتا لهم ، لأنّه يذود عنهم أعداءهم ، كما قال الحصين بن الحمام : تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد * لنفسي حياة مثل أن أتقدّما وممّا دلّ على أنّ المراد بالخير خير الدنيا ، وبالتثبيت التثبيت فيها ، قوله عاطفا عليه وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً . وجملة وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا معطوفة على جواب ( لو ) ، والتقدير : لكان خيرا وأشدّ تثبيتا ولآتيناهم إلخ ، ووجود اللام التي تقع في جواب ( لو ) مؤذن بذلك . وأمّا واو العطف فلوصل الجملة المعطوفة بالجملة المعطوف عليها . وأمّا ( إذن ) فهي حرف جواب