الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

181

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجزاء ، أي في معنى جواب لكلام سبقها ولا تختصّ بالسؤال ، فأدخلت في جواب ( لو ) بعطفها على الجواب تأكيدا لمعنى الجزاء ، فقد أجيبت ( لو ) في الآية بجوابين في المعنى لأنّ المعطوف على الجواب جواب ، ولا يحسن اجتماع جوابين إلّا بوجود حرف عطف . وقريب ممّا في هذه الآية قول العنبري في الحماسة : لو كنت من مازن لم تستبح إبلي * بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا إذن لقام بنصري معشر خشن * عند الحفيظة إن ذو لوثة لأنا قال المرزوقي : يجوز أن يكون ( إذن لقام ) جواب : ( لو كنت من مازن ) في البيت السابق كأنّه أجيب بجوابين . وجعل الزمخشري قوله : وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ جواب سؤال مقدّر ، كأنّه : قيل وما ذا يكون لهم بعد التثبيت ، فقيل : وإذن لآتيناهم . قال التفتازاني : « على أن الواو للاستئناف » ، أي لأنّ العطف ينافي تقدير سؤال . والحقّ أنّ ما صار إليه في « الكشّاف » تكلّف لا داعي إليه إلّا التزام كون ( إذن ) حرفا لجواب سائل ، والوجه أنّ الجواب هو ما يتلقّى به كلام آخر سواء كان سؤالا أو شرطا أو غيرهما . وقوله : وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي لفتحنا لهم طرق العلم والهداية ، لأنّ تصدّيهم لامتثال ما أمروا به هو مبدأ تخلية النفوس عن التعلق بأوهامها وعوائدها الحاجبة لها عن درك الحقائق ، فإذا ابتدءوا يرفضون هذه المواقع فقد استعدّوا لتلقّي الحكمة والكمالات النفسانية ففاضت عليهم المعارف تترى بدلالة بعضها على بعض وبتيسير اللّه صعبها بأنوار الهداية والتوفيق ، ولا شكّ أنّ الطاعة مفتاح المعارف بعد تعاطي أسبابها . [ 69 - 70 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 69 إلى 70 ] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً ( 70 ) تذييل لجملة : وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 67 ] وإنّما عطفت باعتبار إلحاقها بجملة : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ على جملة وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ [ النساء : 66 ] . وجيء باسم الإشارة في جملة جواب الشرط للتنبيه على جدارتهم بمضمون الخبر عن اسم الإشارة لأجل مضمون الكلام الذي قبل اسم الإشارة . والمعيّة معيّة المنزلة في الجنة وإن وإن كانت الدرجات متفاوتة . ومعنى مَنْ يُطِعِ من يتّصف بتمام معنى الطاعة ، أي أن لا يعصي اللّه ورسوله .