الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

160

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وذلك من الأغراض التشريعية الكبرى التي تضمّنتها هذه السورة ، ولا يتعيّن تطلّب المناسبة بينه وبين ما سبقه ، فالمناسبة هي الانتقال من أحكام تشريعية إلى أحكام أخرى في أغراض أخرى . وهنا مناسبة ، وهي أنّ ما استطرد من ذكر أحوال أهل الكتاب في تحريفهم الكلم عن مواضعه ، وليّهم ألسنتهم بكلمات فيها توجيه من السبّ ، وافترائهم على اللّه الكذب ، وحسدهم بإنكار فضل اللّه إذ آتاه الرسول والمؤمنين ، كلّ ذلك يشتمل على خيانة أمانة الدين ، والعلم ، والحقّ ، والنعمة ، وهي أمانات معنويّة ، فناسب أن يعقب ذلك بالأمر بأداء الأمانة الحسيّة إلى أهلها ويتخلّص إلى هذا التشريع . وجملة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ صريحة في الأمر والوجوب ، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث « إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم » . ( وإنّ ) فيها لمجرد الاهتمام بالخبر لظهور أنّ مثل هذا الخبر لا يقبل الشكّ حتّى يؤكّد لأنّه إخبار عن إيجاد شيء لا عن وجوده ، فهو والإنشاء سواء . والخطاب لكلّ من يصلح لتلقّي هذا الخطاب والعمل به من كلّ مؤتمن على شيء ، ومن كلّ من تولّى الحكم بين الناس في الحقوق . والأداء حقيقة في تسليم ذات لمن يستحقّها ، يقال : أدّى إليه كذا ، أي دفعه وسلّمه ، ومنه أداء الدّين . وتقدّم في قوله تعالى : مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ في سورة آل عمران [ 75 ] . وأصل أدّى أن يكون مضاعف أدى - بالتخفيف - بمعنى أوصل ، لكنّهم أهملوا أدى المخفّف واستغنوا عنه بالمضاعف . ويطلق الأداء مجازا على الاعتراف والوفاء بشيء . وعلى هذا فيطلق أداء الأمانة على قول الحقّ والاعتراف به وتبليغ العلم والشريعة على حقّها ، والمراد هنا هو الأوّل من المعنيين ، ويعرف حكم غيره منهما أو من أحدهما بالقياس عليه قياس الأدون . والأمانة : الشيء الذي يجعله صاحبه عند شخص ليحفظه إلى أن يطلبه منه ، وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ في سورة البقرة [ 283 ] . وتطلق الأمانة مجازا على ما يجب على المكلّف إبلاغه إلى أربابه ومستحقيه من الخاصّة والعامّة كالدّين والعلم والعهود والجوار والنصيحة ونحوها ، وضدّها الخيانة في الإطلاقين . والأمر للوجوب . والأمانات من صيغ العموم ، فلذلك قال جمهور العلماء فيمن ائتمنه رجل على شيء