الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
161
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وكان للأمين حقّ عند المؤتمن جحده إيّاه : إنّه لا يجوز له أخذ الأمانة عوض حقّه لأنّ ذلك خيانة ، ومنعه مالك في المدوّنة ، وعن ابن عبد الحكم : أنه يجوز له أن يجحده بمقدار ما عليه له ، وهو قول الشافعي . قال الطبري عن ابن عباس ، وزيد بن أسلم ، وشهر بن حوشب ، ومكحول : أنّ المخاطب ولاة الأمور ، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها . وقيل : نزلت في أمر عثمان بن طلحة بن أبي طلحة . وأهل الأمانة هم مستحقّوها ، يقال : أهل الدار ، أي أصحابها . وذكر الواحدي في أسباب النزول ، بسند ضعيف : أنّ الآية نزلت يوم فتح مكة إذ سلّم عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة العبدري الحجبي مفتاح الكعبة للنبي صلى اللّه عليه وسلم وكانت سدانة الكعبة بيده ، وهو من بني عبد الدار وكانت السدانة فيهم ، فسأل العباس بن عبد المطلب من رسول اللّه أن يجعل له سدانة الكعبة يضمها مع السقاية وكانت السقاية بيده ، وهي في بني هاشم ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عثمان بن طلحة وابن عمّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، فدفع لهما مفتاح الكعبة وتلا هذه الآية ، قال عمر بن الخطاب : وما كنت سمعتها منه قبل ذلك ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعثمان بن طلحة « خذوها خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلّا ظالم » ، ولم يكن أخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة أخذ انتزاع ، ولكنّه أخذه ينتظر الوحي في شأنه ، لأنّ كون المفتاح بيد عثمان بن طلحة مستصحب من قبل الإسلام ، ولم يغيّر الإسلام حوزه إيّاه ، فلمّا نزلت الآية تقرّر حقّ بني عبد الدار فيه بحكم الإسلام ، فبقيت سدانة الكعبة في بني عبد الدار ، ونزل عثمان بن طلحة عنها لابن عمّه شيبة بن عثمان ، وكانت السدانة من مناصب قريش في الجاهلية « 1 » فأبطل النبي صلى اللّه عليه وسلم بعضها في خطبة يوم الفتح أو حجّة الوداع ، ما عدا السقاية والسدانة . فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة ، لأنّ عثمان سلّم مفتاح الكعبة للنبي عليه الصلاة والسلام دون أن يسقط حقّه .
--> ( 1 ) مناصب قريش في الجاهلية ، وتسمى مآثر قريش ، هي : السقاية وهي سقي الحجيج من ماء زمزم وكانت لبني هاشم ، والسدانة بكسر السين وهي حجابة الكعبة وهي لبني عبد البدار ، والسفارة لبني عدي ، والرفادة بكسر الراء وهي أموال تجمعها قريش لإعانة الحجاج المعوزين وهي لبني نوفل ، والديات والحمالات وهي لبني تيم ، والراية تسمى العقاب وهي لبني أمية ، والمشورة لبني أسد بن عبد العزي ، والأعنة والقبة وهي شؤون الحرب كانوا يضربون قبة ويجتمعون إليها عند تجهيز الجيوش وهي لبني مخزوم ، والحكومة وأموال الآلهة لبني سهم ، والإيسار والأزلام لبني جمح .