الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

143

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فعل ، وهو مفيد مع ذلك للتعجيب ، وتقدّم نظيرها في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ في سورة آل عمران [ 23 ] . وجملة يَشْتَرُونَ حالية فهي قيد لجملة أَ لَمْ تَرَ ، وحالة اشترائهم الضلالة وإن كانت غير مشاهدة بالبصر فقد نزّلت منزلة المشاهد المرئيّ ، لأنّ شهرة الشيء وتحقّقه تجعله بمنزلة المرئيّ . والنصيب تقدّم عند قوله : و لِلرِّجالِ نَصِيبٌ * [ النساء : 7 ] في هذه السورة ، وفي اختياره هنا إلقاء احتمال قلّته في نفوس السامعين ، وإلّا لقيل : أوتوا الكتاب ، وهذا نظير قوله تعالى بعد هذا فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ [ النساء : 141 ] ، أي نصيب من الفتح أو من النصر . والمراد بالكتاب التوراة ، لأنّ اليهود هم الذين كانوا مختلطين مع المسلمين بالمدينة ، ولم يكن فيها أحد من النصارى . والاشتراء مجاز في الاختيار والسعي لتحصيل الشيء ، لأنّ المشتري هو آخذ الشيء المرغوب فيه من المتبايعين ، والبائع هو باذل الشيء المرغوب فيه لحاجته إلى ثمنه ، هكذا اعتبر أهل العرف الذي بنيت عليه اللغة وإلّا فإنّ كلا المتبايعين مشتر وشار ، فلا جرم أن أطلق الاشتراء مجازا على الاختيار ، وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى في سورة البقرة [ 16 ] . وهذا يدلّ على أنّهم اقتحموا الضلالة عن عمد لضعف إيمانهم بكتابهم وقلّة جدوى علمهم عليهم . وقوله : وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي يريدون للمؤمنين الضلالة لئلا يفضلوهم بالاهتداء ، كقوله : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [ البقرة : 109 ] . فالإرادة هنا بمعنى المحبّة كقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ . ولك أن تجعل الإرادة على الغالب في معناها وهو الباعث النفساني على العمل ، أي يسعون لأن تضلّوا ، وذلك بإلقاء الشبه والسعي في صرف المسلمين عن الإيمان ، وقد تقدّم آنفا قوله تعالى : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً [ النساء : 27 ] . وجملة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ معترضة ، وهي تعريض ؛ فإنّ إرادتهم الضلالة للمؤمنين عن عداوة وحسد .