الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
144
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً [ النساء : 45 ] تذييل لتطمئنّ نفوس المؤمنين بنصر اللّه ، لأنّ الإخبار عن اليهود بأنّهم يريدون ضلال المسلمين ، وأنّهم أعداء للمسلمين ، من شأنه أن يلقي الروع في قلوب المسلمين ، إذ كان اليهود المحاورون للمسلمين ذوي عدد وعدد ، وبيدهم الأموال ، وهم مبثوثون في المدينة وما حولها : من قينقاع وقريظة والنضير وخيبر ، فعداوتهم ، وسوء نواياهم ، ليسا بالأمر الذي يستهان به ؛ فكان قوله : وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا مناسبا لقوله : وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ، أي إذا كانوا مضمرين لكم السوء فاللّه وليّكم يهديكم ويتولّى أموركم شأن الوليّ مع مولاه ، وكان قوله : وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً مناسبا لقوله : بِأَعْدائِكُمْ ، أي فاللّه ينصركم . وفعل ( كَفى ) في قوله : وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً مستعمل في تقوية اتّصاف فاعله بوصف يدلّ عليه التمييز المذكور بعده ، أي أنّ فاعل ( كَفى ) أجدر من يتّصف بذلك الوصف ، ولأجل الدلالة على هذا غلب في الكلام إدخال باء على فاعل فعل كفى ، وهي باء زائدة لتوكيد الكفاية ، بحيث يحصل إبهام يشوّق السامع إلى معرفة تفصيله ، فيأتون باسم يميّز نوع تلك النسبة ليتمكّن المعنى في ذهن السامع . وقد يجيء فاعل ( كَفى ) غير مجرور بالباء ، كقول عبد بني الحسحاس : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا وجعل الزجّاج الباء هنا غير زائدة وقال : ضمّن فعل كفى معنى اكتف ، واستحسنه ابن هشام . وشذّت زيادة الباء في المفعول ، كقول كعب بن مالك أو حسّان بن ثابت : فكفى بنا فضلا على من غيرنا * حبّ النبي محمّد إيّانا وجزم الواحدي في شرح قول المتنبّي : كفى بجسمي نحولا أنّني رجل * لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني بأنه شذوذ . ولا تزاد الباء في فاعل كَفى بمعنى أجزأ ، ولا التي بمعنى وقّى ، فرقا بين استعمال كفى المجازي واستعمالها الحقيقي الذي هو معنى الاكتفاء بذات الشيء نحو : كفاني ولم أطلب قليل من المال