الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
142
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واليدين ، وأسقط مسح ما سواهما من أعضاء الوضوء بله أعضاء الغسل ، إذ ليس المقصود منه تطهيرا حسيّا ، ولا تجديد النشاط ، ولكن مجرّد استحضار استكمال الحالة للصلاة ، وقد ظنّ بعض الصحابة أنّ هذا تيمّم بدل عن الوضوء ، وأنّ التيمّم البدل عن الغسل لا يجزئ منه إلّا مسح سائر الجسد بالصعيد ، فعلّمه النبي صلى اللّه عليه وسلم أن التيمّم للجنابة مثل التيمّم للوضوء ، فقد ثبت في « الصحيح » عن عمّار بن ياسر ، قال : كنت في سفر فأجنبت فتمعّكت في التراب ( أي تمرّغت ) وصلّيت فأتيت النبي فذكرت ذلك فقال « يكفيك الوجه والكفان » وقد تقدّم آنفا . والباء للتأكيد مثل : « وهزّي إليك بجذع النخلة » وقول النابغة - يرثي النعمان بن المنذر - : لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا * وأصبح جدّ الناس يظلع عاثرا أراد إن وارتك الأرض مواراة الدفن . والمعنى : فامسحوا وجوهكم وأيديكم ، وقد ذكرت هذه الباء مع الممسوح في الوضوء ومع التيمّم للدلالة على تمكّن المسح لئلا تزيد رخصة على رخصة . وقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً تذييل لحكم الرخصة إذ عفا عن المسلمين فلم يكلّفهم الغسل أو الوضوء عند المرض ، ولا ترقّب وجود الماء عند عدمه ، حتّى تكثر عليهم الصلوات فيعسر عليهم القضاء . [ 44 ، 45 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 44 إلى 45 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ( 44 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ( 45 ) استئناف كلام راجع إلى مهيع الآيات التي سبقت من قوله : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ النساء : 36 ] فإنّه بعد نذارة المشركين وجّه الإنذار لأهل الكتاب ، ووقعت آيات تحريم الخمر وقت الصلاة ، وآيات مشروعية الطهارة لها فيما بينهما ، وفيه مناسبة للأمر بترك الخمر في أوقات الصلوات والأمر بالطهارة ، لأنّ ذلك من الهدى الذي لم يسبق لليهود نظيره ، فهم يحسدون المسلمين عليه ، لأنّهم حرموا من مثله وفرطوا في هدى عظيم ، وأرادوا إضلال المسلمين عداء منهم . وجملة أَ لَمْ تَرَ - إلى - الْكِتابِ جملة يقصد منها التعجيب ، والاستفهام فيها تقريري عن نفي فعل لا يودّ المخاطب انتفاءه عنه ، ليكون ذلك محرّضا على الإقرار بأنه