الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
127
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لأنّ الإدغام أخفّ ، وإذا أظهروا أبدلوا الدال تاء ، ومن ذلك قولهم : عتاد لعدّة السلاح ، وأعتد جمع عتاد . ووصف العذاب بالمهين جزاء لهم على الاختيال والفخر . وعطف وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ على الَّذِينَ يَبْخَلُونَ : لأنّهم أنفقوا إنفاقا لا تحصل به فائدة الإنفاق غالبا ، لأنّ من ينفق ماله رئاء لا يتوخّى به مواقع الحاجة ، فقد يعطي الغنيّ ويمنع الفقير ، وأريد بهم هنا المنفقون من المنافقين المشركين ، ولذلك وصفوا بأنّهم لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ، وقيل : أريد بهم المشركون من أهل مكة ، وهو بعيد ، لأنّ أهل مكة قد انقطع الجدال معهم بعد الهجرة . وجملة : وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً معترضة . وقوله : فَساءَ قَرِيناً جواب الشرط . والضمير المستتر في ( ساء ) إن كان عائدا إلى الشيطان ( فَساءَ ) بمعنى بئس ، والضمير فاعلها ، و قَرِيناً تمييز للضمير ، مثل قوله تعالى : ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [ الأعراف : 177 ] ، أي : فساء قرينا له ، ليحصل الربط بين الشرط وجوابه ، ويجوز أن تبقى ( فَساءَ ) على أصلها ضدّ حسن ، وترفع ضميرا عائدا على ( من ) ويكون ( قرينا ) تمييز نسبة ، كقولهم : « ساء سمعا فساء جابة » أي فساء من كان الشيطان قرينه من جهة القرين ، والمقصود على كلا الاحتمالين سوء حال من كان الشيطان له قرينا بإثبات سوء قرينه ؛ إذ المرء يعرف بقرينه ، كما قال عديّ بن زيد : فكلّ قرين بالمقارن يقتدي وقوله : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ عطف على الجملتين ، وضمير الجمع عائد إلى الفريقين ، والمقصود استنزال طائرهم ، وإقامة الحجّة عليهم . وَما ذا استفهام ، وهو هنا إنكاري توبيخي . و ( ذا ) إشارة إلى ( ما ) ، والأصل لا يجيء بعد ( ذا ) اسم موصول نحو مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ [ البقرة : 255 ] . وكثر في كلام العرب حذفه وإبقاء صلته لكثرة الاستعمال ، فقال النحاة : نابت ذا مناب الموصول ، فعدّوها في الموصولات وما هي منها في قبيل ولا دبير ، ولكنّها مؤذنة بها في بعض المواضع . وعلى ظرف مستقرّ هو صلة الموصول ، فهو مؤوّل بكون . وعلى للاستعلاء المجازي بمعنى الكلفة والمشقّة ، كقولهم : عليك أن تفعل كذا . و لَوْ آمَنُوا شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه ، وقد قدّم دليل الجواب اهتماما بالاستفهام ، كقول