الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
128
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قتيلة بنت الحارث : ما كان ضرّك لو مننت وربما * منّ الفتى وهو المغيظ المحنق ومن هذا الاستعمال تولّد معنى المصدرية في لو الشرطية ، فأثبته بعض النحاة في معاني لو ، وليس بمعنى لو في التحقيق ، ولكنه ينشأ من الاستعمال . وتقدير الكلام : لو آمنوا ما ذا الذي كان يتعبهم ويثقلهم ، أي لكان خفيفا عليهم ونافعا لهم ، وهذا من الجدال بإراءة الحالة المتروكة أنفع ومحمودة . ثم إذا ظهر أنّ التفريط في أخفّ الحالين وأسدّهما أمر نكر ، ظهر أنّ المفرّط في ذلك ملوم ، إذ لم يأخذ لنفسه بأرشد الخلّتين ، فالكلام مستعمل في التوبيخ استعمالا كنائيا بواسطتين . والملام متوجّه للفريقين : الذين يبخلون ؛ والذين ينفقون رئاء ، لقوله : لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ على عكس ترتيب الكلام السابق . وجملة : وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً معترضة في آخر الكلام ، وهي تعريض بالتهديد والجزاء على سوء أعمالهم . [ 40 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 40 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 ) استئناف بعد أن وصف حالهم ، وأقام الحجّة عليهم ، وأراهم تفريطهم مع سهولة أخذهم بالحيطة لأنفسهم لو شاءوا ، بيّن أنّ اللّه منزّه عن الظلم القليل ، بله الظلم الشديد ، فالكلام تعريض بوعيد محذوف هو من جنس العقاب ، وأنّه في حقّهم عدل ، لأنّهم استحقّوه بكفرهم ، وقد دلّت على ذلك المقدّر أيضا مقابلته بقوله : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ولمّا كان المنفي الظلم ، على أنّ ( مثقال ذرّة ) تقدير لأقلّ ظلم ، فدلّ على أنّ المراد أنّ اللّه لا يؤاخذ المسئ بأكثر من جزاء سيّئته . وانتصب مِثْقالَ ذَرَّةٍ بالنيابة عن المفعول المطلق ، أي لا يظلم ظلما مقدّرا بمثقال ذرّة ، والمثقال ما يظهر به الثّقل ، فلذلك صيغ على وزن اسم الآلة ، والمراد به المقدار . والذّرة تطلق على بيضة النملة ، وعلى ما يتطاير من التراب عند النفخ ، وهذا أحقر ما يقدر به ، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى . وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر حَسَنَةً - بالرفع - على أنّ ( تك ) مضارع كان التامّة ، أي إن توجد حسنة . وقرأه الجمهور - بنصب