الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

110

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التقدير الثالث : ولكلّ منكم جعلنا موالي ، أي عاصبين من الذين تركهم الوالدان ، مثل الأعمام والأجداد والأخوال ، فإنّهم قرباء الأبوين ، وممّا تركهم الأقربون مثل أبناء الأعمام وأبنائهم وإن تعدّدوا ، وأبناء الأخوات كذلك ، فإنّهم قرباء الأقربين ، فتكون الآية مشيرة إلى إرجاع الأموال إلى العصبة عند الجمهور ، وإلى ذوي الأرحام عند بعض الفقهاء ، وذلك إذا انعدم الورثة الذين في آية المواريث السابقة ، وهو حكم مجمل بيّنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر » ، وقوله : « ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم » رواه أبو داود والنسائي ، وقوله : « الخال وارث من لا وارث له » أخرجه أبو داود والترمذي ، وقوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ * [ الأنفال : 75 ] ، وبذلك أخذ أبو حنيفة ، وأحمد ، وعليه ف ( ما ) الموصولة في قوله : مِمَّا تَرَكَ بمعنى ( من ) الموصولة ، ولا بدع في ذلك . وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله تعالى بعد آية المواريث تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [ البقرة : 187 ] فتكون تكملة لآية المواريث . التقدير الرابع : ولكلّ منكم أيّها المخاطبون بقولنا : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [ النساء : 32 ] جعلنا موالي ، أي شرعنا أحكام الولاء لمن هم موال لكم ، فحكم الولاء الذي تركه لكم أهاليكم : الوالدان والأقربون ، أي أهل الولاء القديم في القبيلة المنجرّ من حلف قديم ، أو بحكم الولاء الذي عاقدته الأيمان ، أي الأحلاف بينكم وبينهم أيّها المخاطبون ، وهو الولاء الجديد الشامل للتبنّي المحدث ، وللحلف المحدث ، مثل المؤاخاة التي فرضها النبي صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار . فإنّ الولاء منه ولاء قديم في القبائل ، ومنه ما يتعاقد عليه الحاضرون ، كما أشار إليه أبو تمّام . أعطيت لي دية القتيل وليس لي * عقل ولا حلف هناك قديم وعلى هذا التقدير يكون وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ معطوفة على الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [ البقرة : 187 ] فتكون هذه الآية تكملة لآيات المواريث . وللمفسّرين تقادير أخرى لا تلائم بعض أجزاء النظم إلا بتعسّف فلا ينبغي التعريج عليها . وقوله : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قيل معطوف على قوله : الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ، وقيل هو جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، كأنّه قيل : من هم الموالي ؟ فقيل : الْوالِدانِ