الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

111

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَالْأَقْرَبُونَ إلخ ، على أنّ قوله : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ خبر عن قوله : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ . وأدخلت الفاء في الخبر لتضمّن الموصول معنى الشرط ، ورجّح هذا بأنّ المشهور أنّ الوقت على قوله : وَالْأَقْرَبُونَ وليس على قوله : أَيْمانُكُمْ . والمعاقدة : حصول العقد من الجانبين ، أي الذين تعاقدتم معهم على أن يكونوا بمنزلة الأبناء أو بمنزلة الإخوة أو بمنزلة أبناء العمّ . والأيمان جمع يمين : إمّا بمعنى اليد ، أسند العقد إلى الأيدي مجازا لأنّها تقارن المتعاقدين لأنّهم يضعون أيدي بعضهم في أيدي الآخرين ، علامة على انبرام العقد ، ومن أجل ذلك سمّي العقد صفقة أيضا ؛ لأنّه يصفّق فيه اليد على اليد ، فيكون من باب أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 3 ] ؛ وإمّا بمعنى القسم لأنّ ذلك كان يصحبه قسم ، ومن أجل ذلك سمّي حلفا ، وصاحبه حليفا . وإسناد العقد إلى الأيمان بهذا المعنى مجاز أيضا ؛ لأنّ القسم هو سبب انعقاد الحلف . والمراد ب الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ : قيل موالي الحلف الذي كان العرب يفعلونه في الجاهلية ، وهو أن يحالف الرجل الآخر فيقول له « دمي دمك وهدمي هدمك - أي إسقاط أحدهما للدم الذي يستحقّه يمضي على الآخر - وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عنّي وأعقل عنك » . وقد جمع هذين الصنفين من الموالي الحصين بن الحمام من شعراء الحماسة في قوله : مواليكم مولى الولادة منكم * ومولى اليمين حابس قد تقسّما قيل : كانوا جعلوا للمولى السدس في تركة الميت ، فأقرّته هذه الآية ، ثم نسختها آية الأنفال : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [ الأنفال : 75 ] قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وابن جبير ، ولعلّ مرادهم أنّ المسلمين جعلوا للمولى السدس وصية لأنّ أهل الجاهلية لم تكن عندهم مواريث معيّنة . وقيل : نزلت هذه الآية في ميراث الإخوة الذين آخى النبي صلى اللّه عليه وسلم بينهم من المهاجرين والأنصار في أول الهجرة ، فكانوا يتوارثون بذلك دون ذوي الأرحام ، ثم نسخ اللّه ذلك بآية الأنفال ، فتكون هذه الآية منسوخة . وفي أسباب النزول للواحدي ، عن سعيد بن المسيّب ، أنّها نزلت في التبنّي الذي كان في الجاهلية ، فكان المتبنّي يرث المتبني ( بالكسر ) مثل تبنّي النبي صلى اللّه عليه وسلم زيد بن حارثة الكلبي ، وتبنّي الأسود بن عبد يغوث المقداد الكندي ، المشهور بالمقداد بن الأسود ، وتبنّي الخطاب بن نفيل عامرا بن ربيعة ، وتبنّي أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة سالما بن معقل الأصطخري ، المشهور بسالم مولى أبي حذيفة ، ثم نسخ بالمواريث . وعلى القول بأنّ