الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

109

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والجعل من قوله : جَعَلْنا هو الجعل التشريعي أي شرعنا لكلّ موالي لهم حقّ في ماله كما في قوله تعالى : فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [ الإسراء : 33 ] . والموالي جمع مولى وهو محلّ الولي ، أي القرب ، وهو محلّ مجازي وقرب مجازي . والولاء اسم المصدر للولي المجازي . وفي نظم الآية تقادير جديرة بالاعتبار ، وجامعة لمعان من التشريع : الأوّل : ولكلّ تارك ، أي تارك مالا جعلنا موالي ، أي أهل ولاء له ، أي قرب ، أي ورثة . ويتعلّق مِمَّا تَرَكَ بما في موالي من معنى يلونه ، أي يرثونه ، ومن للتبعيض ، أي يرثون ممّا ترك . وما صدق ( ما ) الموصولة هو المال ، والصلة قرينة على كون المراد بالموالي الميراث ، وكون المضاف إليه ( كلّ ) هو الهالك أو التارك . وَلِكُلٍّ متعلّق ب ( جعلنا ) ، قدّم على متعلّقه للاهتمام . وقوله : الْوالِدانِ استئناف بياني بيّن به المراد في ( موالي ) ، ويصلح أن يبيّن به كلّ المقدّر له مضاف . تقديره : لكلّ تارك . وتبيين كلا اللفظين سواء في المعنى ، لأنّ التارك : والد أو قريب ، والموالي : والدون أو قرابة . وفي ذكر الْوالِدانِ غنية عن ذكر الأبناء لتلازمهما ، فإن كان الوالدان من الورثة فالهالك ولد وإلّا فالهالك والد . والتعريف في الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ عوض عن مضاف إليه أي : والداهم وأقربوهم ، والمضاف إليه المحذوف يدلّ عليه الموالي ، وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا [ النساء : 32 ] ، أي ولكلّ من الصنفين جعلنا موالي يرثونه ، وهو الجعل الذي في آيات المواريث . والتقدير الثاني : ولكلّ شيء ممّا تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي ، أي قوما يلونه بالإرث ، أي يرثونه ، أي يكون تراثا لهم ، فيكون المضاف إليه المحذوف اسما نكرة عامّا يبيّن نوعه المقام ، ويكون مِمَّا تَرَكَ بيانا لما في تنوين ( كلّ ) من الإبهام ، ويكون وَالْأَقْرَبُونَ فاعلا ( لترك ) . وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله : ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [ النساء : 32 ] أي في الأموال ، أي ولكلّ من الذين فضّلنا بعضهم على بعض جعلنا موالي يؤول إليهم المال ، فلا تتمنّوا ما ليس لكم فيه حقّ في حياة أصحابه ، ولا ما جعلناه للموالي بعد موت أصحابه .