الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
108
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بعض ما سعى إليه ، فتمنّى أحد شيئا لم يسع إليه ولم يكن من حقوقه ، هو تمنّ غير عادل ، فحقّ النهي عنه ؛ أو المعنى استحقّ أولئك نصيبهم ممّا كسبوا ، أي ممّا شرع لهم من الميراث ونحوه ، فلا يحسد أحد أحدا على ما جعل له من الحقّ ، لأنّ اللّه أعلم بأحقّيّة بعضكم على بعض . وقوله : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إن كان عطفا على قوله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا إلخ ، الذي هو علّة النهي عن التمنّي ، فالمعنى : للرجال مزاياهم وحقوقهم ، وللنساء مزاياهنّ وحقوقهنّ ، فمن تمنّى ما لم يعدّ لصنفه فقد اعتدى ، لكن يسأل اللّه من فضله أن يعطيه ما أعدّ لصنفه من المزايا ، ويجعل ثوابه مساويا لثواب الأعمال التي لم تعدّ لصنفه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم للنساء : « لكن أفضل الجهاد حجّ مبرور » ؛ وإن كان عطفا على النهي في قوله : و لا تَتَمَنَّوْا فالمعنى : لا تتمنّوا ما في يد الغير واسألوا اللّه من فضله فإنّ فضل اللّه يسع الإنعام على الكلّ ، فلا أثر للتمنّي إلّا تعب النفس . وقرأ الجمهور : وَسْئَلُوا - بإثبات الهمزة بعد السين الساكنة وهي عين الفعل - وقرأه ابن كثير ، والكسائي - بفتح السين وحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى السين الساكن قبلها تخفيفا - . وقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً تذييل مناسب لهذا التكليف ، لأنّه متعلّق بعمل النفس لا يراقب فيه إلّا ربّه . [ 33 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 33 ] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 33 ) الجملة معطوفة على جملة وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [ النساء : 32 ] باعتبار كونه جامعا لمعنى النهي عن الطمع في مال صاحب المال ، قصد منها استكمال تبيين من لهم حقّ في المال . وشأن ( كلّ ) إذا حذف ما تضاف إليه أن يعوّض التنوين عن المحذوف ، فإن جرى في الكلام ما يدلّ على المضاف إليه المحذوف قدّر المحذوف من لفظه أو معناه ، كما تقدم في قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ في سورة البقرة [ 148 ] ، وكذلك هنا فيجوز أن يكون المحذوف ممّا دلّ عليه قوله - قبله - لِلرِّجالِ نَصِيبٌ - وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ [ النساء : 7 ] فيقدّر : ولكلّ الرجال والنساء جعلنا موالي ، أو لكلّ تارك جعلنا موالي . ويجوز أن يقدّر : ولكلّ أحد أو شيء جعلنا موالي .