الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

100

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ذي الحقّ في المال حقّه ، كقوله : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [ النساء : 2 ] وقوله : فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [ النساء : 24 ] وقوله : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [ النساء : 4 ] الآية ، فانتقل من ذلك إلى تشريع عامّ في الأموال والأنفس . وقد تقدّم أنّ الأكل مجاز في الانتفاع بالشيء انتفاعا تامّا ، لا يعود معه إلى الغير ، فأكل الأموال هو الاستيلاء عليها بنية عدم إرجاعها لأربابها ، وغالب هذا المعنى أن يكون استيلاء ظلم ، وهو مجاز صار كالحقيقة . وقد يطلق على الانتفاع المأذون فيه كقوله تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ النساء : 4 ] وقوله : وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [ النساء : 6 ] ، ولذلك غلب تقييد المنهي عنه من ذلك بقيد بِالْباطِلِ ونحوه . والضمير المرفوع ب ( تأكلوا ) ، والضمير المضاف إليه أموال : راجعان إلى الَّذِينَ آمَنُوا ، وظاهر أنّ المرء لا ينهى عن أكل مال نفسه ، ولا يسمّى انتفاعه بماله أكلا ، فالمعنى : لا يأكل بعضهم مال بعض . والباطل ضدّ الحق ، وهو ما لم يشرعه اللّه ولا كان عن إذن ربّه ، والباء فيه للملابسة . والاستثناء في قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً منقطع ، لأنّ التجارة ليست من أكل الأموال بالباطل ، فالمعنى : لكن كون التجارة غير منهي عنه . وموقع المنقطع هنا بيّن جار على الطريقة العربية ، إذ ليس يلزم في الاستدراك شمول الكلام السابق للشيء المستدرك ولا يفيد الاستدراك حصرا ، ولذلك فهو مقتضى الحال . ويجوز أن يجعل قيد الباطل في حالة الاستثناء ملغى ، فيكون استثناء من أكل الأموال ويكون متّصلا ، وهو يقتضي أن الاستثناء قد حصر إباحة أكل الأموال في التجارة ، وليس كذلك ، وأياما كان الاستثناء فتخصيص التجارة بالاستدراك أو بالاستثناء لأنّها أشدّ أنواع أكل الأموال شبها بالباطل ، إذ التبرّعات كلّها أكل أموال عن طيب نفس ، والمعاوضات غير التجارات كذلك لأنّ أخذ كلا المتعاوضين عوضا عمّا بذله للآخر مساويا لقيمته في نظره يطيّب نفسه . وأمّا التجارة فلأجل ما فيها من أخذ المتصدّي للتجر ما لا زائدا على قيمة ما بذله للمشتري قد تشبه أكل المال بالباطل فلذلك خصّت بالاستدراك أو الاستثناء . وحكمة إباحة أكل المال الزائد فيها أنّ عليها مدار رواج السلع الحاجية والتحسينية ، ولولا تصدّي التجّار وجلبهم السلع لما وجد صاحب الحاجة ما يسدّ حاجته عند الاحتياج . ويشير إلى هذا ما في « الموطأ » عن عمر بن الخطاب أنّه قال : في احتكار الطعام « ولكن أيّما جالب جلب على عمود كبده