الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
101
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء ويمسك كيف شاء » . وقرأ الجمهور : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً - برفع تجارة - على أنّه فاعل لكان من كان التامّة ، أي تقع . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف - بنصب تجارة - على أنّه خبر كان الناقصة ، وتقدير اسمها : إلّا أن تكون الأموال تجارة ، أي أموال تجارة . وقوله : عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ صفة ل ( تجارة ) ، و ( عن ) فيه للمجاوزة ، أي صادرة عن التراضي وهو الرضا من الجانبين بما يدلّ عليه من لفظ أو عرف . وفي الآية ما يصلح أن يكون مستندا لقول مالك من نفي خيار المجلس : لأنّ اللّه جعل مناط الانعقاد هو التراضي ، والتراضي يحصل عند التبايع بالإيجاب والقبول . وهذه الآية أصل عظيم في حرمة الأموال ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفس » . وفي خطبة حجّة الوداع « إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام » . وتقديم النهي عن أكل الأموال على النهي عن قتل الأنفس ، مع أنّ الثاني أخطر ، إمّا لأنّ مناسبة ما قبله أفضت إلى النهي عن أكل الأموال فاستحقّ التقديم لذلك ، وإمّا لأنّ المخاطبين كانوا قريبي عهد بالجاهلية ، وكان أكل الأموال أسهل عليهم ، وهم أشدّ استخفافا به منهم بقتل الأنفس ، لأنّه كان يقع في مواقع الضعف حيث لا يدفع صاحبه عن نفسه كاليتيم والمرأة والزوجة . فآكل أموال هؤلاء في مأمن من التبعات بخلاف قتل النفس ، فإنّ تبعاته لا يسلم منها أحد ، وإن بلغ من الشجاعة والعزّة في قومه كلّ مبلغ ، ولا أمنع من كليب وائل ، لأنّ القبائل ما كانت تهدر دماء قتلاها . وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) . قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ نهي عن أن يقتل الرجل غيره ، فالضميران فيه على التوزيع ، إذ قد علم أنّ أحدا لا يقتل نفسه فينهى عن ذلك ، وقتل الرجل نفسه داخل في النهي ، لأنّ اللّه لم يبح للإنسان إتلاف نفسه كما أباح له صرف ماله ، أمّا أن يكون المراد هنا خصوص النهي عن قتل المرء نفسه فلا . وأمّا ما في « مسند أبي داود » : أنّ عمرو بن العاص رضي اللّه عنه تيمّم في يوم شديد البرد ولم يغتسل ، وذلك في غزوة ذات السلاسل وصلّى بالناس ، وبلغ ذلك رسول اللّه ، فسأله وقال : يا رسول اللّه إنّ اللّه يقول : وَلا