الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

57

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمحاجة مفاعلة ولم يجئ فعلها إلّا بصيغة المفاعلة . ومعنى المحاجّة المخاصمة ، وأكثر استعمال فعل حاجّ في معنى المخاصمة بالباطل : كما في قوله تعالى : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ [ الأنعام : 80 ] وتقدم عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ في سورة البقرة [ 258 ] . فالمعنى : فإن خاصموك خاصم مكابرة فقل أسلمت وجهي للّه . وضمير الجمع في قوله : فَإِنْ حَاجُّوكَ عائد إلى غير مذكور في الكلام ، بل معلوم من المقام ، وهو مقام نزول السورة ، أعني قضية وفد نجران ؛ فإنّهم الذين اهتمّوا بالمحاجّة حينئذ . فأما المشركون فقد تباعد ما بينهم وبين النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد الهجرة ، فانقطعت محاجّتهم ، وأما اليهود فقد تظاهروا بمسالمة المسلمين في المدينة . وقد لقّن اللّه رسوله أن يجيب مجادلتهم بقوله : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ والوجه أطلق على النفس كما في قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] أي ذاته . وللمفسّرين في المراد من هذا القول طرائق ثلاث : إحداها أنّه متاركة وإعراض عن المجادلة أي اعترفت بأن لا قدرة لي على أن أزيدكم بيانا ، أي أنّي أتيت بمنتهى المقدور من الحجّة فلم تقتنعوا ، فإذ لم يقنعكم ذلك فلا فائدة في الزيادة من الأدلة النظرية ، فليست محاجّتكم إياي إلّا مكابرة وإنكارا للبديهيات والضروريات ، ومباهته ، فالأجدر أن أكفّ عن الازدياد . قال الفخر : فإن المحقّ إذا ابتلي بالمبطل اللّجوج يقول : أمّا أنا فمنقاد إلى الحق . وإلى هذا التفسير مال القرطبي . وعلى هذا الوجه تكون إفادة قطع المجادلة بجملة : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وقوله : أَ أَسْلَمْتُمْ دون أن يقال : فأعرض عنهم وقل سلام ، ضربا من الإدماج ؛ إذ أدمج في قطع المجادلة إعادة الدعوة إلى الإسلام ، بإظهار الفرق بين الدينين . والقصد من ذلك الحرص على اهتدائهم ، والإعذار إليهم ، وعلى هذا الوجه فإنّ قوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ خارج عن الحاجة ، وإنّما هو تكرّر للدعوة ، أي اترك محاجّتهم ولا تترك دعوتهم . وليس المراد بالحجاج الذي حاجّهم به خصوص ما تقدم في الآيات السابقة ، وإنّما المراد ما دار بين الرسول وبين وفد نجران من الحجاج الذي علموه فمنه ما أشير إليه في الآيات السابقة ، ومنه ما طوي ذكره .