الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
58
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الطريقة الثانية أنّ قوله : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ تلخيص للحجة ، واستدراج لتسليمهم إياها ، وفي تقريره وجوه ما لها إلى أنّ هذا استدلال على كون الإسلام حقا ، وأحسنها ما قال أبو مسلم الأصفهاني : إنّ اليهود والنصارى والمشركين كانوا متّفقين على أحقّية دين إبراهيم عليه السلام إلّا زيادات زادتها شرائعهم ، فكما أمر اللّه رسوله أن يتّبع ملة إبراهيم في قوله : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ النحل : 123 ] أمره هنا أن يجادل الناس بمثل قوله إبراهيم : فإبراهيم قال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 79 ] ومحمد عليه الصلاة والسلام قال : « أسلمت وجهي للّه » أي فقد قلت ما قاله اللّه ، وأنتم معترفون بحقيقة ذلك ، فكيف تنكرون أنّي على الحق ، قال : وهذا من باب التمسّك بالإلزامات وداخل تحت قوله : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] . الطريقة الثالثة ما قاله الفخر وحاصله مع بيانه أن يكون هذا مرتبط بقوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] أي فإن حاجّوك في أنّ الدين عند اللّه الإسلام ، فقل : إنّي بالإسلام أسلمت وجهي للّه فلا ألتفت إلى عبادة غيره مثلكم ، فديني الذي أرسلت به هو الدين عند اللّه ( أي هو الدين الحقّ وما أنتم عليه ليس دينا عند اللّه ) . وعلى الطريقتين الأوليين في كلام المفسّرين جعلوا قوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ خارجا عن الحجة ؛ إذ لا علاقة بينه وبين كون الإسلام هو ملّة إبراهيم ، ويكون مرادا منه الدعوة إلى الإسلام مرة أخرى بطريقة الاستفهام المستعمل في التحضيض كقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 91 ] أي قل لأولئك : أتسلمون . وعندي أنّ التعليق بالشرط لما اقتضى أنّه للمستقبل فالمراد بفعل : « حاجّوك » الاستمرار على المحاجّة : أي فإن استمرّ وفد نجران على محاجّتهم فقل لهم قولا فصلا جامعا للفرق بين دينك الذي أرسلت به وبين ما هم متديّنون به . فمعنى أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أخلصت عبوديتي له لا أوجّه وجهي إلى غيره ، فالمراد أنّ هذا كنه دين الإسلام ، وتبيّن أنّه الدين الخالص ، وأنّهم لا يلفون تديّنهم على هذا الوصف . وقوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ معطوف على جملة الشرط المفرّعة على ما قبلها ، فيدخل المعطوف في التفريع ، فيكون تقدير النظم : ومن يكفر بآيات اللّه فإنّ اللّه سريع الحساب فقل للذين كفروا بآيات اللّه الذين أوتوا الكتاب والأميّين : أأسلمتم ، أي فكرّر دعوتهم إلى الإسلام . والاستفهام مستعمل في الاستبطاء والتحضيض كما في قوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ