الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

56

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وانتصب بَغْياً على أنّه مفعول لأجله ، وعامل المفعول لأجله : هو الفعل الذي تفرّغ للعمل فيما بعد حرف الاستثناء ، فالاستثناء كان من أزمان وعلل محذوفة والتقدير : ما اختلفوا إلّا في زمن بعد ما جاءهم العلم وما كان إلّا بغيا بينهم . ولك أن تجعل بغيا منصوبا على الحال من الذين أوتوا الكتاب ، وهو - وإن كان العامل فيه فعلا منفيا في اللفظ - إلّا أن الاستثناء المفرّغ جعله في قوة المثبت ، فجاء الحال منه عقب ذلك ، أي حال كون المختلفين باغين ، فالمصدر مؤوّل بالمشتق . ويجوز أن تجعله مفعولا لأجله من ( اختلف ) باعتبار كونه صار مثبتا كما قرّرنا . وقد لمّحت الآية إلى أنّ هذا الاختلاف ، والبغي كفر ، لأنّه أفضى بهم إلى نقض قواعد أديانهم ، وإلى نكران دين الإسلام ، ولذلك ذيّله بقوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ إلخ . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ تعريض بالتهديد ، لأنّ سريع الحساب إنّما يبتدئ بحساب من يكفر بآياته ، والحساب هنا كناية عن الجزاء كقوله : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي [ الشعراء : 113 ] . وفي ذكر هذه الأحوال الذميمة من أحوال أهل الكتاب تحذير للمسلمين أن يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك ، والمسلمون وإن اختلفوا في أشياء كثيرة لم يكن اختلافهم إلّا اختلافا علميا فرعيا ، ولم يختلفوا اختلافا ينقض أصول دينهم بل غاية الكلّ الوصول إلى الحق من الدين ، وخدمة مقاصد الشريعة ، فبنو إسرائيل عبدوا العجل والرسول بين ظهرانيهم ، وعبدوا آلهة الأمم غير مرة ، والنصارى عبدوا مريم والمسيح ، ونقضوا أصول التوحيد ، وادّعوا حلول الخالق في المخلوق . فأما المسلمون لما قال أحد أهل التصوّف منهم كلاما يوهم الحلول حكم علماؤهم بقتله . [ 20 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 20 ] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) تفريع على قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ آل عمران : 19 ] الآية فإنّ الإسلام دين قد أنكروه ، واختلافهم في أديانهم يفضي بهم إلى محاجّة الرسول في تبرير ما هم عليه من الدين ، وأنّهم ليسوا على أقلّ مما جاء به دين الإسلام .