الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
36
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ في سورة البقرة [ 249 ] . والخطاب في : يَرَوْنَهُمْ كالخطاب في قوله : قَدْ كانَ لَكُمْ . والرؤية هنا بصرية لقوله : رَأْيَ الْعَيْنِ . والظاهر أنّ الكفار رأوا المسلمين يوم بدر عند اللقاء والتلاحم مثلي عددهم ، فوقع الرعب في قلوبهم فانهزموا . فهذه الرؤية جعلت آية لمن رأوها وتحقّقوا بعد الهزيمة أنّهم كانوا واهمين فيما رأوه ليكون ذلك أشدّ حسرة لهم ، وتكون هذه الرؤية غير الرؤية المذكورة في الأنفال [ 44 ] بقوله : وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ فإنّ تلك يناسب أن تكون وقعت قبل التلاحم ، حتى يستخفّ المشركون بالمسلمين ، فلا يأخذوا أهبتهم للقائهم ، فلمّا لاقوهم رأوهم مثلي عددهم فدخلهم الرعب والهزيمة ، وتحققوا قلّة المسلمين بعد انكشاف الملحمة فقد كانت إرادة القلّة وإرادة الكثرة سببي نصر للمسلمين بعجيب صنع اللّه تعالى . وجوّز أن يكون المسلمون رأوا المشركين مثلي عدد المؤمنين ، وكان المشركون ثلاثة أمثالهم ، فقلّلهم اللّه في أعين أنّهم ثلاثة أضعافهم لخافوا الهزيمة ، وتكون هذه الإراءة هي الإراءة المذكورة في سورة الأنفال [ 44 ] : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ويكون ضمير الغيبة في قوله : ( مقليهم ) راجعا للمسلمين على طريقة الالتفات ، وأصله ترونهم مثليكم على أنّه من المقول . وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب : ترونهم - بتاء الخطاب - وقرأه الباقون بياء الغيبة : على أنّه حال من و أُخْرى كافِرَةٌ ، أو من فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي مثلي عدد المرئيين . إن كان الراءون هم المشركين ، أو مثلي عدد الرائين ، إن كان الراءون هم المسلمين ؛ لأنّ كليهما جرى ضميره على الغيبة وكلتا الرؤيتين قد وقعت يوم بدر . وكلّ فئة علمت رؤيتها وتحدّيت بهاته الآية . وعلى هذه القراءة يكون العدول عن التعبير بفئتكم وفئتهم إلى قوله : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ ، لقصد صلوحية ضمير الغيبة لكلتا الفئتين ، فيفيد اللفظ آيتين على التوزيع ، بطريقة التوجيه . و « رأي العين » مصدر مبيّن لنوع الرؤية : إذ كان « فعل رأى » يحتمل البصر والقلب ، وإضافته إلى العين دليل على أنّه يستعمل مصدرا لرأى القلبية ، كيف والرأي اسم للعقل ، وتشاركها فيها رأي البصرية ، بخلاف الرؤية فخاصّة بالبصرية . وجملة وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ تذييل ؛ لأنّ تلك الرؤية كيفما فسّرت تأييد للمسلمين ، قال تعالى : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ