الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

37

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [ الأنفال : 44 ] . [ 14 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 14 ] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) زُيِّنَ . استئناف نشأ عن قوله : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [ آل عمران : 10 ] إذ كانت إضافة أموال وأولاد إلى ضمير « هم » دالة على أنّها معلومة للمسلمين . قصد منه عظة المسلمين ألّا يغترّوا بحال الذين كفروا فتعجبهم زينة الدنيا ، وتلهيهم عن التهمّم بما به الفوز في الآخرة ؛ فإنّ التحذير من الغايات يستدعي التحذير من البدايات . وقد صدّر هذا الوعظ والتأديب ببيان مدخل هذه الحالة إلى النفوس ، حتى يكونوا على أشدّ الحذر منها ؛ لأنّ ما قرارته النفس ينساب إليها مع الأنفاس . والتزيين تصيير الشيء زينا أي حسنا ، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين ، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه ، ولذلك سمّي الحلاق مزيّنا . وقال امرؤ القيس : الحرب أول ما تكون فتيّة * تسعى بزينتها لكلّ جهول فالزينة هي ما تكون في الشيء من المحاسن : التي ترغّب الناظرين في اقتنائه ، قال تعالى : تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 28 ] . وكلمة زين قليلة الدوران في كلام العرب مع حسنها وخفّتها قال عمر بن أبي ربيعة : أزمعت خلّتي مع الفجر بينا * جلّل اللّه ذلك الوجه زينا وفي حديث « سنن أبي داود » : أنّ أبا برزة الأسلميّ دخل على عبيد اللّه بن زياد - وقد أرسل إليه ليسأله عن حديث الحوض - فلمّا دخل أبو برزة قال عبيد اللّه لجلسائه : إنّ محمّديّكم هذا الدحداح . قال أبو برزة : « ما كنت أحسب أنّي أبقى في قوم يعيّرونني بصحبة محمد » . فقال عبيد اللّه : « إنّ صحبة محمد لك زين غير شين » . والشهوات جمع شهوة ، وأصل الشهوة مصدر شهي كرضي ، والشهوة بزنة المرّة ، وأكثر استعمال مصدر شهي أن يكون بزنة المرة . وأطلقت الشهوات هنا على الأشياء