الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
30
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
السلب بعد العطاء . وإذ اسم للزمن الماضي متصرّف ، وهي هنا متصرّفة تصرّفا قليلا ؛ لأنّها لمّا أضيف إليها الظرف ، كانت في معنى الظروف ، ولما كانت غير منصوبة كانت فيها شائبة تصرّف ، كما هي في يومئذ وحينئذ ، أي بعد زمن هدايتك إيانا . وقوله : وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً طلبوا أثر الدوام على الهدى وهو الرحمة ، في الدنيا والآخرة ، ومنع دواعي الزيغ والشر . وجعلت الرحمة من عند اللّه لأنّ تيسير أسبابها ، وتكوين مهيّئاتها ، بتقدير اللّه ؛ إذ لو شاء لكان الإنسان معرّضا لنزول المصائب والشرور في كلّ لمحة ؛ فإنّه محفوف بموجودات كثيرة ، حيّة وغير حيّة ، هو تلقاءها في غاية الضعف ، لولا لطف اللّه به بإيقاظ عقله لاتّقاء الحوادث ، وبإرشاده لاجتناب أفعال الشرور المهلكة ، وبإلهامه إلى ما فيه نفعه ، وبجعل تلك القوى الغالبة له قوى عمياء لا تهتدي سبيلا إلى قصده ، ولا تصادفه إلّا على سبيل الندور ولهذا قال تعالى : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [ الشورى : 19 ] ومن أجلى مظاهر اللطف أحوال الاضطرار والالتجاء وقد كنت قلت كلمة « اللّطف عند الاضطرار » . والقصر في قوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ للمبالغة ، لأجل كمال الصفة فيه تعالى ؛ لأنّ هبات الناس بالنسبة لما أفاض اللّه من الخيرات شيء لا يعبأ به . وفي هذه الجملة تأكيد بإنّ ، وبالجملة الاسمية ، وبطريق القصر . وقوله : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ استحضروا عند طلب الرحمة أحوج ما يكونون إليها ، وهو يوم تكون الرحمة سببا للفوز الأبدي ، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءهم على سبيل الإيجاز ، كأنّهم قالوا : وهب لنا من لدنك رحمة ، وخاصّة يوم تجمّع الناس كقول إبراهيم : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [ إبراهيم : 41 ] على ما في تذكّر يوم الجمع من المناسبة بعد ذكر أحوال الغواة والمهتدين ، والعلماء الراسخين . ومعنى لا رَيْبَ فِيهِ لا ريب فيه جديرا بالوقوع ، فالمراد نفي الريب في وقوعه . ونفوه على طريقه نفي الجنس لعدم الاعتداد بارتياب المرتابين ، هذا إذا جعلت ( فيه ) خبرا ، ولك أن تجعله صفة لريب وتجعل الخبر محذوفا على طريقة لا النافية للجنس ، فيكون التقدير : عندنا ، أو لنا .